المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اليماني ... أهدى الرايات!!


أبو طوني
09-04-2008, 01:57 AM
الحلقة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيد الأنام حبيب إله العالمين محمد وعلى الهداة الميامين من أهل بيته الطيبين الطاهرين.

منذ باكورة وعيي للقضية المهدوية أسرتني شخصية العبد الصالح ((اليماني))، وتحديدا فقد بهرتني قضية أن يطلق أئمة أهل البيت ع على رايته وصف ((أهدى الرايات)) بمعية حضور رايات أساسية وحاسمة في معركة الهدى كراية ((الخراساني)) وراية ((الحسني)).

إن هذا التمييز بين رايته والرايات الهادية الأخرى فيه دلالة بالغة الخطورة لا يمكن للمرء المؤمن أن يستغني عن التمعن فيها، لاسيما وأن زمنه يوصف من قبل رواياتهم (ع) بأنه زمن الفتن الشديدة والتي سيطاح معها بدين الكثيرين وبإيمان العديدين، وستتجاذبهم تيارات سوء العاقبة وأمواجها يميناً ويساراً لتطيح ليلاً بمن كنا في الصباح نحسبه مؤمناً، وستتقاذفهم لججها لتذهب صباحاً بمن كان يعدّ ليلاً من المؤمنين، ولذلك فإن مثل هذا الوصف الذي وصف فيه هذا العبد الصالح يغدو مغرياً ومثيراً بشكل كبير لمن يهمه أين سيكون موقعه يوم غد!!

وسط هذا الإغراء الكبير وجدت نفسي متشبثة بقصة هذا العبد الصالح، فطفقت مع الأيام أبحث عن مواصفاته، وقلبت لذلك عشرات المجلدات وأنا أحاول أن أتقفى أثر هذه الشخصية العظيمة، فعاد بحثي المضني بعدد هو الأقل من نوعه من الروايات، بشكل لا ينسجم مع ضخامة هذه الشخصية وفق ما ذكرته روايات أهل البيت ع، وبأفكار متناقضة طرحتها العديد من الكتب التي تناولت هذه الشخصية الحاسمة، في الوقت الذي لم يخل الكثير من هذه الكتب بأفكار جاءت مختلة مع طبيعة ما طرحه أهل البيت (صلوات الله عليهم) عنه.

ومن الواضح جداً إن هذا العدد القليل من الروايات التي وردت بحقه رغم سمو وصفه فيها، يتعمد إبقاء هذه الشخصية بمحيط من الغموض المتعمد لأسباب عدة سنفصل الحديث عنها لاحقا، ولكن هذا الغموض الذي لا نلحظه مسلطاً على بقية الشخصيات الهادية، ربما يبين في نفس الوقت القدر الكبير من الأهمية الذي أولته نفس هذه الروايات لمنهج هذه الشخصية، فلولا خطورة هذا المنهج والذي بموجبه تحول إلى أهدى الرايات، لما تم إحاطة مهندس هذا المنهج وراعيه بكل هذا الغموض!

إلا إن ما يجعل المرء يتأسف إن هذا الاهتمام الذي سنلحظه في روايات أهل البيت ع بهذه الشخصية الأساسية من شخصيات عصري التمهيد والظهور، لم يقابل من قبل الكثير من الكتّاب والمحللين إلا بإجحاف وظلم كبيرين، فما بين كذّاب مفتر أدعى لنفسه هذا المقام، وراح يروّج عن نفسه إنه هو اليماني كما نلحظ ذلك في عدة من الدجّالين المعاصرين كدجال البصرة الذي حاول أن يوهم الغرّ والجهلة بأنه هو اليماني، وبين من حاول أن يسقط تحليلاته الذاتية على أهوائه ومشاعره تجاه فلان أو فلان فراح يصفهم بأن هذا أو ذاك هو اليماني!!

إن هذا المنهج فيه من الخطورة ما يفزع أهل التحقيق، فاليماني من الشرائط الحتمية التي سيتزامن خروجها مع أشهر قليلة من ظهور الإمام المهدي (روحي وأرواح العالمين له الفدا) وبالتالي فالتشخيص بأن فلانا أو فلانا هو اليماني يستدعي الاستعداد لما يترتب عليه من بعد ذلك، ولو لم يحصل فإن الأمر سيشكل خطراً كبيراً على إيمان الناس ومعتقداتهم، فهب أن زيدا قلنا بأنه هو اليماني فإن المترتب عليه هو الانتظار لأشهر قليلة لكي يظهر الإمام (عجل الله تعالى فرجه) وهذا ما يعني؛ إما وضع الناس أمام ظلال كبير في إمكانية اعتقادهم بمهدي دجال كما حصل في قضية الدجال ((قاضي السماء))، وإما أن نضعهم أمام وصف أهدى الرايات واستحقاقاته الإيمانية، فالطاعة هنا واجبة، أو ما يشبه الواجب في كون الراية هي الأهدى، عندئذ كيف سيكون الأمر لو أطاع الناس من لا حق لهم بطاعته؟ ومن سيتحمل مسؤولية ذلك؟ هذا ناهيك عن إن تشجيع العوام على مثل هذا المنهج فيه من المفاسد ما لا يخفى على ذي لب، ولو قدّر لأهل البيت ع أن أحاطوا هذه الشخصية بكل هذا الغموض، فهل يا ترى يحق لأحد ـ أي كان ـ أن يكشف النقاب عنها حتى لو علم علماً يقينياً بهويتها!! أن هذه الشخصية هي فعلا اليماني الذي تحدثت عنه روايات أهل البيت ع. فتأمل.

وكنت ولسنوات مصراً على عدم الكتابة عن شخصيات الظهور رغم إلحاح العديد من طلبتي الأعزاء والعديد من الأصدقاء، إلا إن كتاباً وقع في يدي لأحد الأفاضل دفعني ـ بعد تردد ـ لكي أمسك القلم لأخط هذه السطور لما وجدت فيه من منهج للتعامل مع هذه القضية الحيوية بطريقة قد تؤسس لوعي لا يخدم قضية الإمام المهدي (روحي وأرواح العالمين له الفدا) خصوصاً وإن الكتاب صدر عن جهة يعوّل عليها ـ إن شاء الله ـ بالإسهام بتوعية أصيلة لقضية شائكة وخطرة كقضية الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

ولا أدعي لنفسي العصمة فيما كتبت، ولكنها محاولة للتقيد بما تحدّث عنه أهل البيت (صلوات الله عليهم)، ومحاولة وضع هذه الأحاديث في إطارها المنسجم مع ما أراده صاحب النص (عليه السلام)، فإن وفقت في ذلك فالفضل والمنّة لهم (بأبي وأمي)، وإن شططت والعياذ بالله فمن نفسي، وأملي أن يغفر لي القارئ الكريم أي سهو أو زلل فحسبي أني أردت الإصلاح والاستقامة وفق ما أُمرت، وآخر دعوانا أن الحمد لله أولا وآخرا، وصلواته وسلامه على رسوله وآله الطاهرين أبداً.

أبو طوني
09-04-2008, 02:01 AM
الحلقة الثانية

بين يدي البحث
كنت قد تحدثت في كتابنا ((ظهور الإمام المهدي  وعلاماته.. بحث في منهج التعامل وآلية التعرف)) عن كيفية التعامل مع الروايات المتعلقة بعلامات ظهور الإمام (روحي فداه) ومنها الروايات المتعلقة باليماني، فهذه الروايات لم تطلق لمجرد الرواية، ولا بهدف سرد القصص لاستشراف المستقبل، وإنما تتمتع هذه الروايات بهدفية خاصة خطط لها صاحب الرواية، وهذه الهدفية ترتبط بمنهاج أكبر من خصوصيات الرواية، وعليه فإن التعامل الحذر معها هو السبيل الوحيد لإدراك كنهها وطبيعة ما ترمي إليه، فهي تحتل موضعاً محدداً ضمن خارطة زمانية أو مكانية أو الأمرين معاً، وأي استخفاف في التعامل معها يؤدي إلى بعثرة معطياتها ويمنع من الاستفادة التي أرادها صاحب نص الرواية، وهي تمثل معلماً من معالم منهج محدد تم التخطيط له بعناية بالغة، مما يجعل الإسفاف في التعامل مع هذه الروايات سببا في عدم فهم هذا المنهج، وقد يؤدي التمادي إلى الخروج عنه.

وحينما تغدو القضية حساسة كحساسية قضية اليماني في معركة الهدى والضلال لا بد للباحث أن يتوخى الحذر الكامل في التعامل مع هذه الروايات، فهناك أكثر من إغراء يسمح للدجالين وأصحاب الأهواء أن يستغلوه في هذه القضية، وأحسب أن الكثير من المحققين كان بإمكانهم ملاحظة أن هذه الإغراءات تدخلت في صياغة بعض الأخبار والروايات الموضوعة بطريقة وأخرى، فضلاً عن طبيعة التفسير لهذه الأخبار والروايات، وبعيداً عن هذا وذاك فإن أمورا أساسية يجب مراعاتها بشكل كامل فيما يتعلق باليماني، ومنها:

الأمر الأول: يتعلق بكونه ((أهدى الرايات)) وهذه الصفة تعطي المجال لأصحاب الأهواء أن يطوّعوها بأي طريقة كي يضفوا هذه الصفة وهذا الامتياز لمن يرون أنه يحقق لهم هذه الأهواء، ومن ثم ليفتحوا بوابات الخطر بكل الاتجاهات سواء كانت تتعلق بالوجاهة الاجتماعية الزائفة التي تصنع لمن يخدع البعض بأن فلاناً له هذه الشأنية، أو استغلالها في المآرب السياسية التي تمكّن من ينصّب نفسه في مثل هذا الموضع لغرض جمع الحاشية والأنصار وتوظيف ذلك في السعي لتلك المآرب، أو استعمالها لغرض الاختراق العقائدي، فمن يملك هذا المقام يتمكن من الضرب بأكثر من اتجاه لتحقيق هذا الاختراق، تارة من خلال ما يفترض له من وجاهة تمكنه من خداع الأنفس الغر والعقول التافهة، وأخرى من خلال خلط المقدس في نفوس الناس، مع السيئ في سلوكيات أمثال هؤلاء الدجالون، مما يسقط المقدس ويهينه، أو ما شاكل.

وبطبيعة الحال فقد استغلت هذه الصفة لكي يمتدح الزيديون أنفسهم ويشيروا لأنفسهم بأن اليماني الذي وصف بأنه أهدى الرايات سيخرج من بيئتهم، وبالتالي فإن هذا الأمر ينسحب عليهم بشكل طبيعي فهذه الراية ستخرج من بين أظهرهم وهم سيكونون القاعدة التي ستعتمد عليها، مما يعطي لمذهبهم الحق في مقابل بقية المذاهب.

الأمر الثاني: تتعلق بكون اسمه يمكن أن يستغل على نطاق واسع في معركة المناطق والشعوب التي تحتل قسطاً مهماً في عالم الروايات المنحولة وتأويل غيرها، فلطالما عبث السلاطين ووعاظهم وأصحاب العمائم الزائفة والمصالح المريبة، فوضعوا الروايات وجعلوا وعاظهم يفسرون لهم وفق مشتهياتهم، ففي أيام سلطة بني أمية بلغت الروايات التي تمدح الشام وأهلها حداً يخال فيه المرء أنها هي من نزل فيها الوحي!!، وحينما اشتدت المعركة بين أهل الرأي من الأحناف والمعتزلة في بغداد والبصرة، وبين أهل الحديث والحشوية في مكة والمدينة بالغ كل طرف في مدح هذه المناطق بما لا شائبة في غلوهما وافترائهما على الحديث وصاحب نصه، ولهذا فكون لقب اليماني يوحي أنه من اليمن أو انه من الشعب الفلاني، فإنه يدخل سلفا في معارك اليمنيين مع أقرانهم من الشعوب والقبائل الأخرى كالشاميين والعراقيين والمصريين والفرس وغيرهم، ومن الواضح إن هذه المعارك كلفت الحديث وتفسيراته أعباء باهضة من التزوير والتصحيف والتحريف والتطويع لكي يكون الشعب الفلاني حاضرا في قضية معينة، فما بالك في قضية كقضية الإمام المهدي (عليه السلام)؟ فكل شعب يريد أن يثبت لنفسه موضعاً في هذه القضية التي يتسالم على أهميتها أهل الشيعة والسنة رغم اختلافهم في التفاصيل، واليمنيون لهم حظ ليس بقليل في عملية وضع الحديث والتمحّل في تفسيره كما يعرف ذلك أهل الاختصاص. فلا تغفل.

الأمر الثالث: يتعلق بالظرف الزماني لقضية اليماني، فهذا العبد الصالح وقّت له بشكل محدد، وهذا التوقيت مرتبط مباشرة بعملية التمهيد المباشر للظهور الشريف، وبالتالي فإن أي خلل في التعامل مع الأحاديث المتعلقة به، يمكن أن يخلق مشاكل جمّة على أكثر من صعيد، فهو قريب من الناحية الزمانية ـ كما سنرى ـ من الإمام (عليه السلام) ومن الخراساني والسفياني والحسني، كما إنه قريب أيضاً من جملة من الحوادث الحاسمة المعلنة عن ظهور الإمام كقتل النفس الزكية والصيحة في ليلة القدر، وبالتالي فإن أي إخفاق في هذا الصدد سيعود بضرر بالغ على منظومة روائية جمعت منهج أهل البيت ع في شأن الظهور، فما نتحدث عنه إنما هو حديث عن العلائم الحتمية، وهذه العلامات قريبة جداً من الظهور، وقد أشير إليها لكي تدلّ مباشرة للإمام (روحي فداه) ولكي يحتجّ بها أيضاً على ظهوره (صلوات الله عليه) في زمن ستكثّر فيها الكذّابة من أدعياء المهدوية، مما يجعل التساهل في التعامل مع قضيته ينطوي على مخاطر فائقة جداً.

أبو طوني
09-04-2008, 02:13 AM
الحلقة الثالثة



اليماني في حديث أهل البيت عليهم السلام
كما أشرت آنفاً فإن حديث أهل البيت (صلوات الله عليهم) عن اليماني اتسم بقلّته، ولكن هذه القلّة في الحديث لم تمنع من كشف جانب من منهج اليماني وطبيعة خطه، وسنحاول هنا أن نستوضح جانباً من ذلك، حيث سنجد إن الحديث عن اليماني في حديثهم (عليهم السلام) يمكن تقسيمه إلى أقسام ثلاثة، وهذه الأقسام هي:

القسم الأول: الأحاديث الزمانية
ركّز هذا القسم على تشخيص زمن محدد لليماني، وتم رد كل زمن آخر غير هذا الزمن، وأن خروجه يكون قبل الإمام (روحي فداه)، وهذا القسم من الحديث استخدم لرد مدّعي المهدوية من جهة، فلابد أن يتقدم اليماني قبل الظهور بحيث يكون دالاًّ عليه، لاسيما وأن اليماني هو من الشرائط الحتمية لظهور الإمام حسب وصف الروايات،(1) ومن جهة لرد مدّعي اليمانية ـ إن صح التعبير ـ، إذ إن اليماني يخرج في وقت محدد قدر له أن يكون في شهر ربيع الثاني، قبل ظهور الإمام بتسعة أشهر كما سيأتي بناء على الروايات التي تؤرخ الظهور بالعاشر من المحرم، ففي حديث للإمام الرضا (عليه السلام) وهو يرد إدعاء احدهم بأنه هو القائم(2) قال كما يروي النعماني عن محمد بن همام، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن علي بن عاصم، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قبل هذا الأمر السفياني واليماني والمرواني(3) وشعيب بن صالح، فكيف يقول هذا، هذا؟(4)

وفي حديث ابن عقدة، عن أحمد بن يوسف بن يعقوب الجعفي، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه؛ ووهيب بن حفص، عن أبي بصير، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً.(5)

وفي رواية صحيحة أوردها الشيخ الطوسي عن الفضل بن شاذان، عن [محمد بن أبي عمير]، عن سيف بن عميرة، عن بكر بن محمد الأزدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خروج الثلاثة؛ السفياني والخراساني واليماني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد..أهـ.(6)

وكذا ما أورده النعماني، عن علي بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى، عن إبراهيم بن هاشم، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: اليماني والسفياني كفرسي رهان.(7)

يشير الحديث هنا إلى أن زمن اليماني سيكون متزامناً تحديداً مع زمن الخراساني والسفياني بشكل دقيق، وباعتبار إن السفياني الملعون والإمام المهدي (روحي فداه) في سنة واحدة كما هو صريح حديث محمد بن مسلم عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: السفياني والقائم في سنة واحدة،(8) فيكون اليماني والإمام المهدي (صلوات الله عليه) في سنة واحدة أيضاً.

ونرى هنا أيضاً إن الأحاديث أشارت بشكل عام إلى خروج اليماني في هذا الزمن، مما يعني أن خروجه براية الحرب محددة في هذا الزمن، ولكن هذا لا يمنع من وجوده في الزمن الأسبق لذلك على مستوى الشهرة أو الوجاهة أو الشأنية في عالم السياسة أو في عالم المنتظرين، وإن كان الراجح أن يكون الرجل من أصحاب الشأنية السياسية والأمنية الطاغية في محيطه، بحيث يقرن بالأسماء المتبقية، وسيأتي الحديث عن ذلك لاحقاً.


القسم الثاني: الأحاديث المكانية

وفي هذا القسم من الأحاديث أشارت الروايات إلى مكان عمل اليماني والساحة التي يخرج لأجلها، وما يجب الإشارة إليه هنا هو أني لم أجد في هذه الأحاديث أية إشارة من قريب أو من بعيد يمكن أن تفيد في تشخيص مكان لساحة عمل اليماني قبل ظهور الإمام المهدي (روحي فداه) غير العراق، مع تأكيدنا على ما توصلنا إليه في فصل (هوية اليماني) من أن الروايات الخاصة بأهل البيت (عليهم السلام) لم تتطرق أبداً إلى كونه يخرج من اليمن، أو أن له علاقة بالساحة الحضارية والاجتماعية في اليمن، وكل ما موجود في هذا الصدد إنما هو روايات أهل العامة وكتبهم.

وهذا القسم كسالفه يحاول أن يقلّص الخيارات على الأدعياء، فكما رأينا في القسم الأول كيف يتم تحديد زمن اليماني؛ لكي يقطع الطريق أمام أدعياء المهدوية واليمانية على حد سواء، هنا أيضاً يتم التحدث عن مكان محدد توخياً لنفس الأسباب السالفة.

وفي هذه الروايات سنلاحظ أن بعضها يتحدث عن حركة أو إقبال أو سير لليماني باتجاه ساحة معارك السفياني تحديداً دون أن تحدد للوهلة الأولى مكان هذه الساحة ففي رواية علي بن أحمد البنديجي، عن عبيد الله بن موسى العلوي، عن محمد بن موسى، عن أحمد بن أبي أحمد الوراق، عن يعقوب بن السراج قال: قلت لأبي عبد الله: متى فرج الشيعة؟ قال: إذا اختلف بنو العباس... إلى أن قال: وظهر السفياني، وأقبل اليماني، وتحرك الحسني خرج صاحب هذا الأمر.(9)

وفي رواية طويلة يرويها العلامة المجلسي عن كتاب سرور أهل الإيمان عن السيد علي بن عبد الحميد بإسناد يرفعه إلى الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فبعد أن يتحدث عن مذابح السفياني في الزوراء (وهي بغداد) والكوفة قال: فبينما هم على ذلك إذ أقبلت خيل اليماني والخراساني يستبقان كأنهما فرسي رهان، شعث غبر جرد..الخ.(10)

وروى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى فرج شيعتكم؟ قال: فقال: إذا اختلف... إلى أن قال: وخلعت العرب أعنتها،(11) ورفع كل ذي صيصية صيصيته،(12) وظهر الشامي(13) وأقبل اليماني، وتحرك الحسني، وخرج صاحب هذا الأمر.. (14)

وفي دلائل الإمامة روى الشيخ الطبري باسناده إلى علي بن إبراهيم بن مهزيار، عن الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أنه قال في حديث طويل: يا ابن مهزيار ـ ومد يده ـ: ألا أنبئك الخبر؛ إنه إذا قعد الصبي، وتحرك المغربي، وسار العماني،(15) وبويع السفياني يأذن لولي الله.(16)

وفي رواية عامية للشيخ الطوسي(17) في كتاب الغيبة بإسناده إلى عمار بن ياسر(18) وهي تشير إلى معركة قرقيسيا ونتائجها قال: ويسبق عبد الله، عبد الله، حتى يلتقي جنودهما بقرقيسياء على النهر، ويكون قتال عظيم، ويسير صاحب المغرب فيقتل الرجال ويسبي النساء، ثم يرجع في قيس حتى ينزل الجزيرة [إلى] السفياني، فيسبق [فيتبع] اليماني فيقتل [قيساً بأريحا] ويحوز السفياني ما جمعوا، ثم يسير إلى الكوفة فيقتل أعوان آل محمد (صلى الله عليه وآله)... الخ.(19)

وهنا نلحظ أن الأحاديث الشريفة استخدمت كلمة السير والإقبال لليماني، وهذه مرتبطة بالمكان، وفي بعضها تصريح بأن الإقبال يكون للكوفة، وفي بعضها لا يتكلم الخبر إلا عن حركة اليماني دون أن يشير إلى المكان، والرواية الوحيدة التي تشير إلى مكان لليماني خارج الكوفة ـ على ما يبدو ـ هو الرواية الأخيرة والتي تشير ـ على فرض صحتها ـ ولكن من الواضح إن موقعية اليماني فيها هو داخل العراق.

ومن الملاحظ أن الروايات الشريفة أشارت في مجموعة القسم الأول السابقة إلى أن اليماني والسفياني والخراساني يستبقان كفرسي رهان، وهذا السباق إنما يكون مختصاً بالساحة العراقية دون غيرها، فحركة الثلاثة حينما تقترن بوقت واحد كما في الروايات السابقة، إنما تكون مكانياً متلازمة مع حركة السفياني، فاليماني والخراساني إنما يخرجان لرد كيد السفياني، والسفياني في الحدود الزمانية والمكانية لهذا التلازم إنما يقصد العراق تحديداً بعد انتصاره في قرقيسيا، ولهذا فإن حديث الروايات ضمن هذا المقطع إنما تحدد العراق كساحة لحركة اليماني بعد ظهور السفياني وقبل ظهور الإمام (صلوات الله عليه)، وهي فترة تحدد بتسعة أشهر كما هو صريح العديد من الروايات(20) ، ومن الواضح إن معركة الخراساني واليماني ضد السفياني في العراق لا تنتهي إلا بعد دخول الإمام المنتظر (روحي فداه) إلى العراق، إذن فالحديث هنا سينحصر في العراق.

أما من أين يقبل؟

ومن أين ينطلق سيره؟

فالروايات تسكت عن ذلك، ولا تتحدث عنه، وسنحاول أن نكتشف ذلك في حديث لاحق.
يبقى أن نشير إلى رواية مضطربة وغريبة عن سياقات أحداث روايات اهل البيت (عليهم السلام) ذكرت في مخطوطة تنسب للفضل بن شاذان تحت اسم مختصر إثبات الرجعة(21) وقد ذكرت جملة من التحركات لليماني خارج العراق وفي اليمن تحديداً، وسنناقشها بالتفصيل إن شاء الله في الأسطر القادمة، وسنعرف بأن الرواية لا يمكن الاستناد إليها لأنها مضطربة جدا في متنها، وغريبة بشكل يمكن معه الاطمئنان إلى عدم صحة نسبتها إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام)

أبو طوني
09-04-2008, 02:13 AM
الحلقة الرابعة



القسم الثالث: الأحاديث الشخصية.
وفي هذا القسم سنلمس إن الروايات الشريفة ركّزت الحديث عن الهوية الشخصية لليماني، ولا نقصد بالشخصية هنا مواصفات هويته الذاتية ومن أي عشيرة هو، وإنما تحدثت الروايات عن اليماني كنهج وخط، وهذا القسم هو الأهم من بين الأقسام الأخرى للكشف عن هوية اليماني، لأنه يركّز على الجانب القيمي والموضوعي لليماني، فبينما عمل القسمين الأول والثاني على تقليص خيارات أدعياء السوء، نجد إن هذا القسم وإن كان سيتصدى لنفس المهمة إلا إنه سيتجاوز ذلك ليركّز على تبيان الخط العقائدي والعلاقة المتبادلة بين اليماني وبين الإمام (روحي فداه) من جهة، وبين اليماني وشيعة الإمام (صلوات الله عليه) من جهة أخرى، ورغم قلّة الحديث هنا إلا إننا ـ ولحسن الحظ ـ نظفر بحصيلة غنية عن ذلك.

فقد روى الشيخ الطوسي في أماليه بسنده لابن أبي عمير عن هشام بن سالم، عن الإمام الصادق (ع) قال: لما خرج طالب الحق،(2) قيل لأبي عبد الله (عليه السلام): ترجو أن يكون هذا اليماني؟ قال: لا، اليماني يتوالى علياً، وهذا يبرأ منه.(3)

وهنا يبرز الإمام الصادق (عليه السلام) الهوية العقائدية لليماني، فهو يتوالى علياً (صلوات الله عليه).

وفي رواية طويلة للإمام الباقر (صلوات الله عليه) تقدم سندها قال: خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتّبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كل وجه، ويل لمن ناواهم، وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية هدى لأنه يدعو إلى صاحبكم، فإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإن رايته راية هدى، ولا يحلّ لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم. (4)

وهذه من أهم الروايات التي أفصحت عن محتوى منهج اليماني، وحددت طبيعة المسؤولية تجاهه بما لم تحدده مع أية راية هادية أخرى.

وفي رواية صحيحة ذكرها الشيخين الطوسي والمفيد عن سيف بن عميرة، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: خروج الثلاثة: السفياني والخراساني واليماني، في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، وليس فيها راية أهدى من راية اليماني، لأنه يدعو إلى الحق.(5)

وفي خاتمة الرواية التي نقلناها عن الشيخ المجلسي في ما نقله عن كتاب سرور أهل الإيمان عن أمير المؤمنين (ع) في الحديث الذي يظهر فيه إقبال خيل اليماني والخراساني إلى الكوفة بعد المذبحة التي يرتكبها السفياني الملعون فيها يقول: إذ أقبلت خيل اليماني والخراساني يستبقان كأنهما فرسي رهان شعث غبر جرد، أصلاب نواطي وأقداح، إذا نظرت أحدهم برجله باطنه فيقول: لا خير في مجلسنا بعد يومنا هذا، اللهم فإنا التائبون، وهم الأبدال الذين وصفهم الله في كتابه العزيز: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. (6)

وفي مجموع هذه الروايات نلاحظ التالي في مشخصات اليماني:

أولاً: هويته العقائدية منصبة على ولاية أمير المؤمنين (صلوات الله عليه).

ثانياً: من بين كل الرايات التي ترفع باسم الهدى كراية الحسني والخراساني وشعيب بن صالح قبل الالتحاق بالإمام (روحي فداه) فإن راية اليماني هي الأهدى.

ثالثاً: إن سر أهدى الرايات لأنه لا يملك دعوة خاصة دنيوية به، وإنما يسعى باتجاه الدعوة للإمام (صلوات الله عليه)، ويبدو أن الدعوة للإمام (عليه السلام) هي همه الأوحد.

رابعاً: وجوب نصرته وعدم حلية الالتواء عليه ومعاندته، لأنه يدعو إلى الحق، ومن فعل خلاف ذلك فهو من أهل النار.

خامساً: لديه خزين ضخم من الغضب لحق شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، ولهذا لا يرى خيراً في القعود بمجلس ما لم يأخذ بثأر المظلومين من أهل الكوفة.

سادساً: لديه تحالف عسكري كامل مع الخراساني على ما يبدو، والدليل ما في وصف الرواية الأخيرة.

سابعاً: شجاعته الكبيرة واستعداده الكامل لمجابهة طغيان السفياني ومواجهته ومقاتلته، وحرصه على الدفاع عن شيعة أهل البيت (عليهم السلام) في العراق، ولهذا تراه يوقّت خروجه بإقبال السفياني باتجاه العراق.

ثامناً: لديه من المشهورية والشأنية الأمنية والعسكرية بحيث يجعله أحد الأقطاب العسكرية الثلاثة التي تبرز في الساحة العراقية القادرة على تشكيل منظومة دفاعية، بعد انهيار القوة العسكرية في قرقيسيا على الحدود العراقية السورية.

ومن الواضح إن هذه الخطوط بعضها يرتبط بجوهر منهاج اليماني في التحرك، وبعضها يرتبط بمعطيات هذا التحرك ونتائجه، وسنعود للحديث المفصل عن كل ذلك في الأسطر القادمة إن شاء الله.

أبو طوني
09-04-2008, 02:17 AM
الحلقة الثامنة
ثانياً: المحور الوجداني والمعنوي
إن ما أشرنا إليه من الالتزامات العقائدية تضفي بدورها العملي في الواقع الوجداني والمعنوي لليماني الموعود وخيله، ولهذا فإن المحتوى الوجداني والمعنوي لليماني وجيشه سيتمحور على أحقية أهل البيت (عليهم السلام) ومظلوميتهم، وسيدفع بالأوضاع الوجدانية لمخاطبيهم إلى درجتها العالية بحيث يكون حقّ أهل البيت (صلوات الله عليهم) هو مبتغاهم، ولعل هذا العبد الصالح سيركز على قضية الزهراء الشهيدة والإمام الحسين (صلوات الله عليهما) بعنوانهما محوران رئيسيان في تعبئة القاعدة الجماهيرية، لاسيما وإن التجربة السابقة له كشفت له عن عظمة الإمكانات المتاحة في هاتين القضيتين لغرض تعبئة الأمة، ولعل هذه هي إحدى مرتكزات الهداية في رايته، فتعبئته للأمة لا تعتمد على معايير وطنية أو جغرافية أو ما شاكل، وإنما تقوم تعبئته على معايير الهداية نفسها متخذاً من مظلومية أهل البيت (بأبي وأمي) محوراً أساسياً لذلك.
وهنا نلفت الانتباه إلى إن قضية الإمام (روحي فداه) حينما تلعب فيها التعبئة دوراً أساسياً، وحين تحتاج التعبئة إلى الحيوية المطلوبة التي تبقي قضية الانتظار حاضرة دائماً في وسط الأمة، ومطلوبة دائماً من قبل المظلومين، في وسط تتعرض فيه قواعد الانتظار إلى ابتلاءات سياسية وأمنية في غاية الشدة كما وصفتها العشرات من الروايات الشريفة،(1) فإنها ـ ومما لا ريب ـ ستكون بحاجة لآليات تبقي فيها جذوة الأمل لدى هذه القواعد من جهة، وتشعل فيها مشاعل الغضب من ناحية ثانية، وتوجهها نحو الهدف المطلوب من ناحية ثالثة، وفي نفس الوقت لا تدفع الأمة بشكل متقحّم في صراع مع الظالمين في وقت لا تتمكن فيه من الصراع، بالشكل الذي يمكن معه القضاء على هذه القواعد أو حرق إمكاناتها وطاقاتها واستنزافها قبل حيان القطاف، ولهذا فإن هذه الآليات يجب أن تكون فيها من مزايا العفوية والاسترسال والبساطة(2) ما من شأنه أن يجعل محاربتها من قبل أعداء المنتظرين يكبّد هؤلاء الأعداء خسائر تعبوية كبيرة، لأنهم سيدخلون في معركة ليس من الصعب على الأمة إدراك مغازيها ومآربها، مما يجعلها أكفأ في إدارة المعركة لصالحها، وفي نفس الوقت يمكن لاستخدام هذه الآليات أن يضاعف من وعي الأمة ويسرّع من تكامل هذا الوعي، سواء حوربت من قبل أعداء الأمة أو جزع أمامها الأعداء، ومن يرقب حركة أهل البيت (صلوات الله عليهم) وطبيعة ما تركوه من آليات إثارة الحزن عليهم، وإبقاء حرارة المظلومية التي عانوا منها حاضرة في قلوب محبيهم، يكتشف إن هذه الآليات فيها من مزايا البساطة والعفوية والاسترسال ما من شأنه لو حورب من قبل أعدائهم فإنه سيسرّع من فهم الأمة لهذه المظلومية،(3) ولو ترك لأدى نفس الغرض، مما جعل عالم ومؤرخ الاجتماع السياسي الإسلامي يعرف تماماً إن اضطراب أعداء أهل البيت في قبال هذه الآليات اتسم دوماً بالاضطراب، فمرة تحارب بشكل قمعي شرس، وأخرى تترك للأمة بحرية يعبر عن تخبط وحيرة في طبيعة الموقف منها، فهي إن تركت تكويهم وإن حاربوها تكويهم!! وهي في كل الحالات كانت تعود بثمار كبيرة لمدرسة أهل البيت (صلوات الله عليهم).
وفوق ذلك فهي من البساطة بمكان بحيث لا يحتاج إدراك صورتها الأولى إلى جهود علمية مضنية، بل هي من البساطة بحيث لها القابلية الهائلة في كسب الشارع الشعبي البسيط جداً، وهي من العمق بمكان بحيث تجعل النخبة الاجتماعية بكل ألوانها وأنماطها تعتمدها أيضاً وتخضع لإشعاعاتها وتمتثل لإيحاءاتها وتقبل عليها،(4) ومن هنا نلحظ سعة انتشار هذه الأساليب وعمق تأثيرها في كل الشرائح الاجتماعية، سيان في ذلك البسيطة منها والمعقدة، والعالمة والجاهلة، والكبيرة والصغيرة، والغنية والفقيرة، فالكل يتأثر بها، والكل يشارك بفعالياتها.
وعليه فإن مثل هذه الآليات التي نعرف نماذجاً لها في شعارات الحسين (صلوات الله عليه) وما يماثلها،(5) لابد وإنها ستحتل جانباً مهماً من الآليات التي سيعتمدها اليماني الموعود ويتبناها من أجل تعبئة الأمة، فهي فضلاً عن ارتباطها الوثيق في الجانب العقائدي الذي يسعى لتمكينه في قاعدته الجماهيرية، إلا إنها في نفس الوقت أثبتت من الناحية العملية قدرة هائلة في تعبئة شيعة أهل البيت (عليهم السلام) لاسيما في العراق، على الرغم من شدة العنت الذي تعرض له العراقيون، وشدة وطأة القمع والإرهاب الذي مورس ضد انتماءاتهم العقائدية وحرصهم على التمسك بشرعة أهل البيت (عليهم السلام).
وثمة أمر آخر يمكن ملاحظته في بعض النصوص، وهو حمل همّ شيعة أهل البيت (صلوات الله عليهم) والعمل من أجل خلاصهم، ففي خطبة طويلة منسوبة للإمام أمير المؤمنين (عليه سلام الله) بعد أن يتحدث عن المجازر والفظائع التي يرتكبها جيش السفياني في الكوفة وبغداد يقول: فبينما هم على ذلك، إذ أقبلت خيل اليماني والخراساني يستبقان كأنهما فرسي رهان إلى أن يقول: لا خير في مجلسنا بعد يومنا هذا، اللهم فإنا التائبون.(6)
ومع الرواية الشريفة التي أشارت إلى إنه: لا يدعو إلا إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، يبدو إن العبد الصالح، يعتبر التشيع هو الأولوية في قبال أية اعتبارات أخرى وطنية كانت أو سياسية، فهذه الاعتبارات كثيرا ما تعتبر نسبية، وبالتالي يعمل فيها الإنسان بمقتضى ما يراه من المصالح، ولكن هذا العبد الصالح من خلال هاتين الروايتين، يعتبر إن المقياس في مثل هذه الاعتبارات هو التشيع وقاعدته، ولهذا لا نجده يعبّر عن انتهاك السفياني لأرض العراق بمثل ما عبّر حينما اطلع على فظائعه في بغداد والكوفة، ولهذا فإن تثقيفه لخيله وتعبئته الوجدانية والمعنوية لجنده إنما تتسم بخطاب الخصوصية الشيعية وتنمية وعي الذات، لا بخطاب العمومية العراقية أو الإسلامية، لاسيما وإن الذي يلوح في جيش السفياني أنه سيكون مختنقاً في شدة عدائه لأهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، فجيش السفياني وإن بدا وكأنه غزوة سياسية وعسكرية مثلها مثل أي غزو مماثل، إلا إن سياق الروايات وصريحها يشير إلى إن تعبئته الوجدانية ستقوم على أساس إثارة الأحقاد والإحن ضد عقيدة أهل البيت ومن يتشيع لها، وإلا لما تحدثت الروايات عن شديد فظائعه بحق هؤلاء، وهذه الفظائع حينما ترقب بشكل دقيق تجدها أنها تسفر عن حقد دفين في قلوب القوم ضد شيعة أهل البيت (صلوات الله عليهم).
وبناء عليه فإن المتصوّر إن معالم هذا التحرك سيسلط الجهد باتجاه محطتين رئيسيتين هما:
الأولى: وعي الذات الشيعية، بالشكل الذي سيجعله يركّز على نمط من التثقيف والتسييس الذي من شأنه أن يثير في الشيعة حالة الوعي لميزاتهم وحقوقهم ومظلوميتهم، ولعل الحاجة لهذا الأمر ستكون شديدة بسبب ما يتخلف على هؤلاء من آثار الظلم والطغيان الذي يسلّط عليهم على روحياتهم لتعيش الكبت الداخلي والإحباط وسرعة الملل من الحلول التي تطرح عليهم، وبإمكان ما نراه اليوم في الساحة العراقية أن يقرّب لنا هذه الصورة، فالمجتمع العراقي الذي خرج من سني حكم المجرم صدام، خرج وهو يحمل كتلة هائلة من أعراض وأمراض فترة الديكتاتورية، ومن السهولة اكتشاف إن هذا المجتمع لا يعي ذاته وميزاته بالصورة المطلوبة، وبالشكل الذي جعله ـ ولا زال ـ يعيش حالة مزرية من الإحباط وعدم الثقة بالنفس وعدم الاطمئنان وسوء الظن وما إلى ذلك من الأمراض المعتادة في الأنظمة الديكتاتورية.

أبو طوني
11-29-2008, 01:26 PM
مشكورة اختي على الرد و المرور بالموضوع الله يعطيكي العافية