أبو طوني
09-02-2008, 05:25 AM
محمد سعد وخليل جرادي.. ذاكرة المقاومة والشهداء
محمد سعد، بلال فحص، حسن وأحمد قصير وغيرهم، وغيرهم عناوين للمقاومة الوطنية اللبنانية للاحتلال الاسرائيلي.. في حزيران 1982 اجتاحت اسرائيل ثلثي الاراضي اللبنانية وحاولت ان تدخل لبنان العصر الاسرائيلي. وفي 31/8/1982 نهضت المقاومة الوطنية اللبنانية التي سرعان ما استطاعت أن تلغي كل النتائج المترتبة على الإجتياح وتدخل لبنان عصر المقاومة.. هذه المقاومة استودعت أسرارها في ذاكرة شهدائها، وفي طليعتهم قائدها محمد سعد وخليل جرادئ وامتيازها الشرقي العربي ـ الإسلامي: العمليات الإستشهادية.. العواصف رصدت بعض الوقائع، وهي على النحو التالي:
الرابع من أذار 1985 هز انفجار مريع حسينية بلدة معركة في الجنوب اللبناني، وسرعان ما تبين أن احد الشهداء محمد سعد قائد المقاومة ضد الإحتلال الإسرايلي، إضافة الى خليل جرادي احد الكوادر الرئيسيين للمقاومة، وكوكبة من المجاهدين بلغ عددهم 15 شهيداً، كما ادى الإنفجار الى إصابة 45 آخرين بجراح. اغتيال محمد سعد، في عملية اسرائيلية بواسطة التفجير عن بعد للنادي الحسيني في معركة، تم عن سابق ترصد واصرار بعدما نجا من عدة محاولات اغتيال، وبعد لمس قادة العدو أن محمد سعد هو من يقوم بإدارة عمليات المقاومة.
من هو محمد سعد
في السيرة الذاتية لقائد المقاومة أنه ولد في بلدة معركة في جنوب لبنان عام 1956 وهو الولد الثاني بين عشرة أولاد تكونت منها الأسرة. في مدرسة بلدته الإبتدائية اجتاز سعد أولى مراحل تعليمه، لينتقل بعد ذلك ويلحتق بمؤسسة جبل عامل التي بناها الإمام المغيب السيد موسى الصدر، كان ذلك في العام 1967، حيث تابع دراسته المتوسطة بنجاح، في تلك الأثناء كان سعد يعمل بعد انتهاء الدوام وأثناء العطلات المدرسية في معمل لتصنيع البلاط والرخام في مدينة صور، وذلك بغية إسهامه مع والده في إعاله أخوته الذين ما زالوا صغاراً في البلدة.
بقي هذا حاله حتى حصوله على شهادة الـب.ب. في العام 1971، حيث التحق بمهنية النبطية ليكمل علومه. وفي تلك المرحلة كانت المؤسسة مقر إقامته. واصدقاءه يقولون أن محمد سعد كان يعتبر المؤسسة بيته الأول، بحيث أن زياراته لقريته كانت نادرة. ومنذ الإعلان الأول عن انطلاقة حركة أمل كان سعد واحداً من أعضائها.. يثابر على حضور الإجتماعات التنظيمية التي كانت تعقد داخل المؤسسة.. ولم تمض فترة طويلة حتى صار سعد أحد الكوادر الحركيين الذين يعتمد عليهم في نقل المنشورات والدروس العقائدية الى القرى.
خليل جرادي: سيرة ذاتية
ولد الشهيد القائد خليل جرادي في بلدة معركة، في 28 حزيران 1958: وعاش في كنف أبوين مؤمنين، فقد كان والد الشهيد من الملمين بالتاريخ الإسلامي والعاملين بنهجه..
التحق الشهيد بمدرسة بلدته، وحصل على الشهادة المتوسطة عام 1972، ثم انتقل بعد ذلك الى المدرسة المهنية في صيدا، فحصل على شهادة الإختصاص في العلوم التجارية عام 1977 وأثناء دراسته في تلك المهنية كان الشهيد يدعو الشباب الى العودة لدينهم.
تعرض لعدة محاولات اغتيال في عدة مناطق، واعتقل على أيدي العصابات الكتائبية على حاجز بسري في 9/1/1984 حيث تعرض لأشد أنواع التعذيب. مع وقوع الإحتلال الإسرائيلي في حزيران 1982 كان محمد سعد يشغل منصب نائب المسؤول التنظيمي لحركة أمل في الجنوب، إلا أنه استطاع أن يشكل جامعاً مشتركاً لكل القوى المناهضة للإحتلال، على قاعدة المقاومة، ورغم أن استشهاد محمد سعد قد أخفى الكثير من المعالم والأسرار المحيطة بأسلوب القيادة وإدارة العمليات وتأمين الإمداد اللوجستي لقواعد المقاومة، إلا أن أي طرف، صغر دوره أم كبر خلال مرحلة المقاومة، لا يستطيع أن يتنكر للدور الريادي الذي لعبه محمد سعد، بل أنه لا يوجد نقد واقعي للفترة الزمنية التي تولى فيها القيادة الميدانية لعمليات المقاومة.
محمد سعد فكر المقاومة وقائدها
يقول مراسل صحيفة الفيغارو الفرنسية الذي التقاه قبيل ساعات من استشهاده: "محمد سعد إنسان مهذب.. استاذ لتعليم الهندسة الإلكترونية، ويتكلم الإنكليزية بطريقة حفظ الأشعار، أخبرني: ما يستطيع الإسرائيليون فعله الان هو أن يتركوا لبنان، إنهم يحاولون أن يخلقوا تناقضاً بين المقاومة والسكان.. عبثاً يفعلون عندما يجربون حصار بلدة مثل معركة، فإنهم لن يستفيدوا من ذلك شيئاً.. رغم ما يدعون من قبضة حديدية، لقد ساقوا 150 شخصاً الى معتقل أنصار على أمل أن يتكلموا، ونسوا أن كل جنوبي هو الآن من المقاومة، والإسرائيليون يعرفون ذلك، عندما يتحركون من مكان الى مكان نتحرك بدورنا، وعندما لا يتحركون لا نتحرك، أن الخوف يسيطر عليهم، حتى جلب الماء يحتاجون فيه الى حراسة بالمصفحات.. ومن فرط خوفهم عند حدوث أي هجوم على دورية يلجأون الى أسلوب كرة النار، أي إطلاق النار بشكل عشوائي. ويقول القائد محمد سعد في مجال آخر: ليفهم قادة العدو جيداً، أنه مهما بلغت قبضهم الحديدية من القسوة والقمع فإن قبضة المقاومة ستبقى أشد شراسة وضراوة.. وسوف تلاحقهم في كل مكان طالما ظل جندي صهيوني يدنس قرى الجنوب.
وعندما قيل للشهيد سعد: هل أنتم متفائلون بالمستقبل؟
قال: ليس في قاموس مقاومتنا مفردات اسمها التفاؤل أو التشاؤم.. إننا نعمل من منطلقنا الإيماني البحت.. وشعارنا واضح وصريح ومحدد، فإما ان نجبر العدو على الإنسحاب وتحقيق النصر أو نموت فنفوز بالشهادة، ليس أمامنا من خيال ثالث، لقد حاولوا كثيراً جرنا الى ركوب قطار السلم الإسرائيلي، لكننا أصبحنا خارج المعادلات العربية الميتة.. مع اسرائيل، لا يمكن أن يكون سلام، فاسرائيل هي الشر المطلق.
الإستشهاديون جسر العبور للتحرير الكامل
البطولة التي اتسمت بها العمليات الإستشهادية شكلت نموذجاً من أشكال الحرب المباشرة، ذلك لأنها اتخذت طابعاً محدداً، وهو إدارة العملية بشكل يؤدي الى القضاء على الخصم بسرعة بواسطة المعركة، وقيادة المعركة عبر عمل هجومي يندفع بسرعة نحو الهدف.
.. كما أنها شكلت في الوقت نفسه شكلاً من أشكال الحرب غير المباشرة، لأنها تطلبت طموحاً للإستشهاد، وصبراً في الوصول الى الطموح.. ذلك لأنه ليس من السهل أن يقف الإنسان، مطلق إنسان على لغم، او على عبوة مشتعلة الفتيل، فكيف إذ كان مثل حالة بلال فحص مثلاً وهو يقود سيارة مفخخة بالمواد الناسفة ويعرف ان واجبه يقتضي البحث عن هدف للخصم ليضربه فيبدد شمله ويستنزفه من الناحية النفسية والبشرية والمادية. البطولة التي اتسمت بها العمليات الإستشهادية هي عمليات نوعية في سياق الحرب غير المباشرة أو الحرب الثورية كما يصطلح على تسميتها اليوم تهدف شأنها شأن عمليات المقاومة الى قضم العدو.. ولا عجب في ذلك فإن الحرب غير المباشرة تعتبر امتيازاً للشرقيين لأسباب جغرافية ونفسية. فالعمليات الإستشهادية جاءت لتتوج مسيرة المقاومة وجاءت لتزيد من الإحساس الذي تكون لدى جنود العدو بأن استمرار الإحتلال سيؤدي الى الإجهاز على هذا الجيش، عبر إعطائه إحساس الفريسة المطاردة.
فمجموع العمليات التي نفذت في الجنوب والبقاع الغربي وراشيا والتي اتخذت طابع الكائن، والأفخاخ، والإزعاج والمضايقة، وضرف طرق المواصلات ووسائلها، ونقاط التجمع العسكرية للعدو، وشؤونه الإدارية (العملية البطولية) ضد مقر الحاكم العسكري الصهيوني في صور، والعملية ضد تجمع قوات العدو في مدرسة الشجرة البرج الشمالي، والعملية ضد آليات العدو في دير قانون النهر، وعملية بلال فحص، وعمليات التصدي المباشرة وجهاً لوجه (عملية الشهيد البطل نزيه قبرصلي) ادت مجموع هذه العمليات حسب اعتراف الدوائر الصهيونية نفسها، وحسب المراسلين الأجانب الى ضرب معنويات جيش العدو وإجباره على إقامة المواقع الحصينة لحماية جنوده وآلياته، وانحساره من الشوارع. يقول ايريك موريز في كتابه مدخل الى التاريخ العسكري أن الحرب غير المباشرة، تفرض على العدو إحساس الفخ أو الشرك المنصوب، وتساعد المواقف الماكرة، والخارقة للعادة، والمواقف اللاعقلانية مثل هذه الأعمال، ويضيف: لهذا يبرز الشرقيون بصورة عامة في مثل هذه الحروب حيث أنهم يعملون بمهارة بهدف انهيار الخصم دون معركة عامة.. فعملية بلال فحص تتجاوز مفهوم الإنتحار التقليدي، الى عمل أسمى الى عمل خارق للعادة، لا عقلاني.
وما فعله بلال فحص وأحمد وحسن قصير وأبو زينب وسواهم عمل حربي متكامل، فقد نفذوا اشتباكاً متكامل العناصر لا ينقصه أي عامل، وكما في المفهوم العسكري فغن تقرير مصير أي اشتباك لا يتم في لحظة واحدة، ولكن في كل اشتباك لحظات حاسمة ذات أهمية كبيرة بالنسبة لنتيجة الإشتباك كله، واللحظة الحاسمة في عملية بلال كانت لحظة الإنفجار الذي قرر مصير هذا الإشتباك كنشاط حربي بمعناه الحقيقي، والذي هدفه إبادة العدو. ينكر الكاتبان العسكريان أردان دوبيك وكولان حقيقة الصدمة، فبالنسبة إليهما، بالغريزة لا ينقض الرجال، ولا تنقل الخيول الى أبعد مدى أبداً، ولا ينتظر أحد انقضاضاً يتسم بالتصميم والوعي.
إن العمليات الإستشهادية والعمليات المماثلة، الفردية التطوعية، اكدت ان هناك انقضاضاً دون حدود لرجال يتسم عملهم بالتصميم والوعي.
-
محمد سعد، بلال فحص، حسن وأحمد قصير وغيرهم، وغيرهم عناوين للمقاومة الوطنية اللبنانية للاحتلال الاسرائيلي.. في حزيران 1982 اجتاحت اسرائيل ثلثي الاراضي اللبنانية وحاولت ان تدخل لبنان العصر الاسرائيلي. وفي 31/8/1982 نهضت المقاومة الوطنية اللبنانية التي سرعان ما استطاعت أن تلغي كل النتائج المترتبة على الإجتياح وتدخل لبنان عصر المقاومة.. هذه المقاومة استودعت أسرارها في ذاكرة شهدائها، وفي طليعتهم قائدها محمد سعد وخليل جرادئ وامتيازها الشرقي العربي ـ الإسلامي: العمليات الإستشهادية.. العواصف رصدت بعض الوقائع، وهي على النحو التالي:
الرابع من أذار 1985 هز انفجار مريع حسينية بلدة معركة في الجنوب اللبناني، وسرعان ما تبين أن احد الشهداء محمد سعد قائد المقاومة ضد الإحتلال الإسرايلي، إضافة الى خليل جرادي احد الكوادر الرئيسيين للمقاومة، وكوكبة من المجاهدين بلغ عددهم 15 شهيداً، كما ادى الإنفجار الى إصابة 45 آخرين بجراح. اغتيال محمد سعد، في عملية اسرائيلية بواسطة التفجير عن بعد للنادي الحسيني في معركة، تم عن سابق ترصد واصرار بعدما نجا من عدة محاولات اغتيال، وبعد لمس قادة العدو أن محمد سعد هو من يقوم بإدارة عمليات المقاومة.
من هو محمد سعد
في السيرة الذاتية لقائد المقاومة أنه ولد في بلدة معركة في جنوب لبنان عام 1956 وهو الولد الثاني بين عشرة أولاد تكونت منها الأسرة. في مدرسة بلدته الإبتدائية اجتاز سعد أولى مراحل تعليمه، لينتقل بعد ذلك ويلحتق بمؤسسة جبل عامل التي بناها الإمام المغيب السيد موسى الصدر، كان ذلك في العام 1967، حيث تابع دراسته المتوسطة بنجاح، في تلك الأثناء كان سعد يعمل بعد انتهاء الدوام وأثناء العطلات المدرسية في معمل لتصنيع البلاط والرخام في مدينة صور، وذلك بغية إسهامه مع والده في إعاله أخوته الذين ما زالوا صغاراً في البلدة.
بقي هذا حاله حتى حصوله على شهادة الـب.ب. في العام 1971، حيث التحق بمهنية النبطية ليكمل علومه. وفي تلك المرحلة كانت المؤسسة مقر إقامته. واصدقاءه يقولون أن محمد سعد كان يعتبر المؤسسة بيته الأول، بحيث أن زياراته لقريته كانت نادرة. ومنذ الإعلان الأول عن انطلاقة حركة أمل كان سعد واحداً من أعضائها.. يثابر على حضور الإجتماعات التنظيمية التي كانت تعقد داخل المؤسسة.. ولم تمض فترة طويلة حتى صار سعد أحد الكوادر الحركيين الذين يعتمد عليهم في نقل المنشورات والدروس العقائدية الى القرى.
خليل جرادي: سيرة ذاتية
ولد الشهيد القائد خليل جرادي في بلدة معركة، في 28 حزيران 1958: وعاش في كنف أبوين مؤمنين، فقد كان والد الشهيد من الملمين بالتاريخ الإسلامي والعاملين بنهجه..
التحق الشهيد بمدرسة بلدته، وحصل على الشهادة المتوسطة عام 1972، ثم انتقل بعد ذلك الى المدرسة المهنية في صيدا، فحصل على شهادة الإختصاص في العلوم التجارية عام 1977 وأثناء دراسته في تلك المهنية كان الشهيد يدعو الشباب الى العودة لدينهم.
تعرض لعدة محاولات اغتيال في عدة مناطق، واعتقل على أيدي العصابات الكتائبية على حاجز بسري في 9/1/1984 حيث تعرض لأشد أنواع التعذيب. مع وقوع الإحتلال الإسرائيلي في حزيران 1982 كان محمد سعد يشغل منصب نائب المسؤول التنظيمي لحركة أمل في الجنوب، إلا أنه استطاع أن يشكل جامعاً مشتركاً لكل القوى المناهضة للإحتلال، على قاعدة المقاومة، ورغم أن استشهاد محمد سعد قد أخفى الكثير من المعالم والأسرار المحيطة بأسلوب القيادة وإدارة العمليات وتأمين الإمداد اللوجستي لقواعد المقاومة، إلا أن أي طرف، صغر دوره أم كبر خلال مرحلة المقاومة، لا يستطيع أن يتنكر للدور الريادي الذي لعبه محمد سعد، بل أنه لا يوجد نقد واقعي للفترة الزمنية التي تولى فيها القيادة الميدانية لعمليات المقاومة.
محمد سعد فكر المقاومة وقائدها
يقول مراسل صحيفة الفيغارو الفرنسية الذي التقاه قبيل ساعات من استشهاده: "محمد سعد إنسان مهذب.. استاذ لتعليم الهندسة الإلكترونية، ويتكلم الإنكليزية بطريقة حفظ الأشعار، أخبرني: ما يستطيع الإسرائيليون فعله الان هو أن يتركوا لبنان، إنهم يحاولون أن يخلقوا تناقضاً بين المقاومة والسكان.. عبثاً يفعلون عندما يجربون حصار بلدة مثل معركة، فإنهم لن يستفيدوا من ذلك شيئاً.. رغم ما يدعون من قبضة حديدية، لقد ساقوا 150 شخصاً الى معتقل أنصار على أمل أن يتكلموا، ونسوا أن كل جنوبي هو الآن من المقاومة، والإسرائيليون يعرفون ذلك، عندما يتحركون من مكان الى مكان نتحرك بدورنا، وعندما لا يتحركون لا نتحرك، أن الخوف يسيطر عليهم، حتى جلب الماء يحتاجون فيه الى حراسة بالمصفحات.. ومن فرط خوفهم عند حدوث أي هجوم على دورية يلجأون الى أسلوب كرة النار، أي إطلاق النار بشكل عشوائي. ويقول القائد محمد سعد في مجال آخر: ليفهم قادة العدو جيداً، أنه مهما بلغت قبضهم الحديدية من القسوة والقمع فإن قبضة المقاومة ستبقى أشد شراسة وضراوة.. وسوف تلاحقهم في كل مكان طالما ظل جندي صهيوني يدنس قرى الجنوب.
وعندما قيل للشهيد سعد: هل أنتم متفائلون بالمستقبل؟
قال: ليس في قاموس مقاومتنا مفردات اسمها التفاؤل أو التشاؤم.. إننا نعمل من منطلقنا الإيماني البحت.. وشعارنا واضح وصريح ومحدد، فإما ان نجبر العدو على الإنسحاب وتحقيق النصر أو نموت فنفوز بالشهادة، ليس أمامنا من خيال ثالث، لقد حاولوا كثيراً جرنا الى ركوب قطار السلم الإسرائيلي، لكننا أصبحنا خارج المعادلات العربية الميتة.. مع اسرائيل، لا يمكن أن يكون سلام، فاسرائيل هي الشر المطلق.
الإستشهاديون جسر العبور للتحرير الكامل
البطولة التي اتسمت بها العمليات الإستشهادية شكلت نموذجاً من أشكال الحرب المباشرة، ذلك لأنها اتخذت طابعاً محدداً، وهو إدارة العملية بشكل يؤدي الى القضاء على الخصم بسرعة بواسطة المعركة، وقيادة المعركة عبر عمل هجومي يندفع بسرعة نحو الهدف.
.. كما أنها شكلت في الوقت نفسه شكلاً من أشكال الحرب غير المباشرة، لأنها تطلبت طموحاً للإستشهاد، وصبراً في الوصول الى الطموح.. ذلك لأنه ليس من السهل أن يقف الإنسان، مطلق إنسان على لغم، او على عبوة مشتعلة الفتيل، فكيف إذ كان مثل حالة بلال فحص مثلاً وهو يقود سيارة مفخخة بالمواد الناسفة ويعرف ان واجبه يقتضي البحث عن هدف للخصم ليضربه فيبدد شمله ويستنزفه من الناحية النفسية والبشرية والمادية. البطولة التي اتسمت بها العمليات الإستشهادية هي عمليات نوعية في سياق الحرب غير المباشرة أو الحرب الثورية كما يصطلح على تسميتها اليوم تهدف شأنها شأن عمليات المقاومة الى قضم العدو.. ولا عجب في ذلك فإن الحرب غير المباشرة تعتبر امتيازاً للشرقيين لأسباب جغرافية ونفسية. فالعمليات الإستشهادية جاءت لتتوج مسيرة المقاومة وجاءت لتزيد من الإحساس الذي تكون لدى جنود العدو بأن استمرار الإحتلال سيؤدي الى الإجهاز على هذا الجيش، عبر إعطائه إحساس الفريسة المطاردة.
فمجموع العمليات التي نفذت في الجنوب والبقاع الغربي وراشيا والتي اتخذت طابع الكائن، والأفخاخ، والإزعاج والمضايقة، وضرف طرق المواصلات ووسائلها، ونقاط التجمع العسكرية للعدو، وشؤونه الإدارية (العملية البطولية) ضد مقر الحاكم العسكري الصهيوني في صور، والعملية ضد تجمع قوات العدو في مدرسة الشجرة البرج الشمالي، والعملية ضد آليات العدو في دير قانون النهر، وعملية بلال فحص، وعمليات التصدي المباشرة وجهاً لوجه (عملية الشهيد البطل نزيه قبرصلي) ادت مجموع هذه العمليات حسب اعتراف الدوائر الصهيونية نفسها، وحسب المراسلين الأجانب الى ضرب معنويات جيش العدو وإجباره على إقامة المواقع الحصينة لحماية جنوده وآلياته، وانحساره من الشوارع. يقول ايريك موريز في كتابه مدخل الى التاريخ العسكري أن الحرب غير المباشرة، تفرض على العدو إحساس الفخ أو الشرك المنصوب، وتساعد المواقف الماكرة، والخارقة للعادة، والمواقف اللاعقلانية مثل هذه الأعمال، ويضيف: لهذا يبرز الشرقيون بصورة عامة في مثل هذه الحروب حيث أنهم يعملون بمهارة بهدف انهيار الخصم دون معركة عامة.. فعملية بلال فحص تتجاوز مفهوم الإنتحار التقليدي، الى عمل أسمى الى عمل خارق للعادة، لا عقلاني.
وما فعله بلال فحص وأحمد وحسن قصير وأبو زينب وسواهم عمل حربي متكامل، فقد نفذوا اشتباكاً متكامل العناصر لا ينقصه أي عامل، وكما في المفهوم العسكري فغن تقرير مصير أي اشتباك لا يتم في لحظة واحدة، ولكن في كل اشتباك لحظات حاسمة ذات أهمية كبيرة بالنسبة لنتيجة الإشتباك كله، واللحظة الحاسمة في عملية بلال كانت لحظة الإنفجار الذي قرر مصير هذا الإشتباك كنشاط حربي بمعناه الحقيقي، والذي هدفه إبادة العدو. ينكر الكاتبان العسكريان أردان دوبيك وكولان حقيقة الصدمة، فبالنسبة إليهما، بالغريزة لا ينقض الرجال، ولا تنقل الخيول الى أبعد مدى أبداً، ولا ينتظر أحد انقضاضاً يتسم بالتصميم والوعي.
إن العمليات الإستشهادية والعمليات المماثلة، الفردية التطوعية، اكدت ان هناك انقضاضاً دون حدود لرجال يتسم عملهم بالتصميم والوعي.
-