المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في رحاب الإمام الصدر.. السيدة زينب وسبايا كربلاء


Jehad
02-11-2009, 10:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين. وبعد، حسب بعض الآثار التاريخية، والموجودة في المقاتل التي تبحث في واقعة كربلاء وآثارها ومقدماتها يظهر منها ان آل البيت، آل بيت الحسين، وآل بيت رسول الله، دخلوا الشام في اول شهر "صفر"، يعني بعد مرور عشرين يومًا من تاريخ استشهاد الامام الحسين (ع). والسبب في ذلك، وفي مرورهم على البلاد المتعددة، انه في سابق الزمن ما كانت الوسائل الكافية السريعة لمرور القوافل في الصحراء. كانوا يخافون الصحراء... اعتبار عدم وجود الماء ووسائل الحياة، ومحل راحة الراكب والمركوب، فكانوا يحاولون ان يعبروا البلاد العامرة.

هذه البلاد، وإن كان الخط الذي مروا به عليها غير واضح وغير مسجل في التواريخ، لأن من كان مع الاسرى ومع الرؤوس الطاهرة كانوا يحاولون ان يمروا في خطوط لعلّها تختلف عن الخطوط الاعتيادية في السير لأسباب سياسية وللمحافظة، وللخوف من الانقلابات والمشاكل التي تطرأ في الطريق، ولهذا كانوا يمرون من البلاد الكبرى.

هذه البلاد، يظهر مرور آل البيت ومرور الرؤوس الطاهرة عليها بما بقي فيها من الآثار والعلائم على ان آل البيت مروا من هذه النقاط. هذه الآثار هي المشاهد التي بنيت باسم مشهد رأس الحسين (ع). في كثير من البلاد بنيت مشاهد هذه المشاهد، لا شك ان رأس الحسين ما دُفِنَ فيها، ولكن وُضِعَ فيها او حُفِظَ فيها لعدة ساعات، او وقعت قطرات من دم الحسين (ع) في تلك الاماكن ثم احترموها وبنوا عليها مشاهد بل ومساجد، لأن هناك حديثًا عن رسول الله (ص) يقول: "ما بني مسجد الا على قبر نبي او وصي او شهيد استشهد فأصاب تلك البقعة قطرة من دمه فأبى الله الا ان يُبنى فيها مساجد".

هذا التعليل او شبهه، ادى الى بناء مشاهد باسم رأس الحسين (ع) في كثير من البلاد. هذه المشاهد كآثار تدل على خط عبور آل البيت في رحلتهم من الكوفة الى الشام. هذه الرحلة التي اخذت حوالي عشرين يومًا او اقل من الوقت.
في بعض البلاد مثل عسقلان، مثل حماة، مثل حمص... هناك اماكن باسم رأس الحسين (ع)، حتى في حلب، هناك مشهد باسم "مشهد النقطة" لا يزال موجودًا، هذا المشهد بناء كبير ضخم من اضخم المساجد، هُدِم في ايام الاتراك حينما وضعوا فيه اسلحة ومهمات وعتادًا، ثم احترق العتاد فانهدم المسجد. ومؤخرًا بدأوا بتجديد عمرانه بالشكل القديم بأمر من المرجع السيد الحكيم حفظه الله، وبالتبرع منه ومن بعض المؤمنين.
هذه المساجد وضعت ثم عُمّرت بشكل كبير في ايام الحمدانيين الذين كانوا في هذه المناطق، وكانوا يوالون آل البيت موالاة كبيرة.

فإذاً، نحن بإمكاننا ان نتصور ان الرؤوس الطاهرة والاسرى مروا بهم على طريق العواصم. وحسب الخط الجغرافي، من المحتمل جدًا انهم مروا على بعلبك ايضاً. وخلاصة الكلام، ان هؤلاء مروا على كبريات المدن التي كانت واقعة بين الكوفة وبين الشام على طريق الساحل. هذا الخط التقريبي يؤكد لنا مع بعض الآثار والتواريخ التي تقول انهم دخلوا في "الرملة" مثلًا، او في "عسقلان"، وكان الناس متهيئين لاستقبالهم وللفرح بورود الاسرى وامثال ذلك، مما يدل على ان آل البيت مروا من هذه النقاط الكبرى - العواصم والمدن الكبرى التي كانت في وقتها في فلسطين وفي لبنان وفي سوريا.
في هذه المدن التي كانوا يمرون بآل البيت، ما من شك ان الامر، كحادثة عامة، انتصار للخليفة: رؤوس مقطوعة، سبايا، اسرى، جيش... كل هذه المسائل تلفت النظر. طبعًا، انتم تعلمون انه عندما يمر جيش من بلد يخرج اهل البلد للتفرج، فكيف اذا كان يخصهم، يعني خليفتهم وبلادهم. نتمكن ان نتصور انه من الكوفة الى الشام، في هذه البلاد الكبيرة وفي كل بلد دخلوا فيه وادخلوا الرؤوس الطاهرة وآل البيت، كانوا يقابلون باحتفال من الناس ومهرجانات وتقابل مع الجماهير في هذه المدن المتعددة. وما من شك ان هذه المسائل حصلت في كل بلد اذ ليس من الضروري ان يكون هذا مذكورًا في"الَمَقاتل" حتى نفهم بل نقدر ان نستنبط من روحية الناس والوضع العام.

ما من شك انهم في كل بلد كانوا يدخلونه، كان هناك حكام من قبل الخليفة وبالتالي كانوا يحتفلون ويبتهجون بالانتصار فكانوا يُقابلون بالناس. والناس عندهم روح الفضول بطبيعة الحال ويريدون ان يفهموا انه ما الامر؟ وما القصة؟ من هؤلاء؟ لماذا قطعت الرؤوس؟ لماذا اتوا بالسبايا؟ من هؤلاء؟ خوارج ام غير خوارج...
وسرعان ما يجد في البلاد الاسلامية في وقتها من يتعرف على هؤلاء؛ وبسرعة يتمكنون ان يفهموا، وحتى اذا لم يعرفوهم فما من شك ان هناك طفلًا، هناك صغيرًا، هناك كبيرًا، هناك شيخاً... يدنو من احدهم فيسألهم من انتم؟ من اي الاسرى انتم؟
طبعًا ان هذه العبارة وردت في كثير من "المَقَاتل": من اي الاسرى انتم؟ انتم من الزنوج؟ او من الديلم؟ او من التتر؟ او من بلاد الكفر؟ من اي الاسرى؟
لأن طبيعة العالم الاسلامي في وقتها انهم كانوا يعتبرون الخوارج هم الكفار الذين يخرجون على الدين، ويخرجون على الامام، وينحرفون؛ فكانوا يسألون هذا السؤال وهو وارد في اكثر من موضع: من اي الاسارى انتم؟
ولا شك ان اهل البيت، سلام الله عليهم، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا كانوا يعرفون كيف يجيبون على هذا السؤال، فكانوا يقولون: نحن من اسارى آل محمد. كيف هذا!؟ من اسارى آل محمد؟! وهل آل محمد يؤسرون ويُسَبون؟ فحينئذ كانوا يشرحون القصة. هذه القصة كانت تنعكس على المستمعين، فيلتفون ويستمعون اكثر. وهنا يجب ان يأتي دور الحديث او الخطاب، فإما علي بن الحسين (ع) يتكلم، او زينب تتكلم، او ام كلثوم تتكلم. احدهم كان يتكلم ويشرح للناس ماذا جرى. ولهذا نجد في كتاب "المَقَاتل" عشرات من الخطب والكلمات ملقاة ومسجلة. اين القيت؟ في الكوفة وفي الشام هذا مبيّن. اما في سائر المدن فهذا غير مبيّن اما لعدم وجود الرواة، او لأنهم ما تذكروا هذه الخطبة اين القيت. فالحاصل ان هذه القافلة خرجت من الكوفة ووصلت الى الشام وعبرت على المدن الكبرى في الطريق، وفي كل مدينة كان يجري الاستقبال والتساؤل والجواب والالتفاف، والخطبة والتعرف والندم والبكاء والحركات الثورية وامثال ذلك. من طبيعة الحال كانت تحصل هذه المسائل في كل رحلة، وفي كل مرحلة من هذه المراحل.

هنا يتبين تمامًا ما ذكرت في الاسبوع الماضي، وفي احتفالات عاشوراء، يتبين دور النساء من آل البيت، زينب واخواتها عليهن السلام، يتبين تمامًا ما فعلن هؤلاء.
كما قلت، كانت النية متجهة الى ان يقتلوا الامام الحسين، ويقتلوا جميع الرجال ويخفوهم في الصحراء، ويندمل بالرمال مكان دمائهم واجسادهم، ولا يعرف احد ماذا حصل وماذا لم يحصل. ولكن، كما يقول الامام الحسين (ع): "ان الله شاء ان يراهنّ سبايا".
لماذا شاء ان يراهنّ سبايا؟
حتى يقمن بهذا الدور، حتى يؤدين هذا الدور، حتى يكشفن النقاب عن هذه الواقعة الغريبة في تاريخ الاسلام، حتى يكشفن النقاب عنها امام كل العالم. ولهذا بدأوا من الكوفة ومروا بالمدن الرئيسية الكبرى، ووصلوا الى الشام، ثم انتقلوا الى المدينة وانتقلت زينب (س) الى مصر. وفي كل بلد كانوا يتحدثون عن الذي جرى، ويحكمون على تصرف بني امية، ويزيد بالذات، بمخالفته للدين والشرع والانسانية والشرف.

وهكذا مهّدت زينب (س) وبتوجيه منها لبقية النساء، مهَّدن العالم الاسلامي كله امام الوضع الحقيقي والنوايا الحقيقية لبني امية، فعرف الناس من هم حكامهم، وما هي قيمة هؤلاء الحكام في منطق الاسلام. والانسان، اذا نظر ودرس هذه الخطب العجيبة التي تُلقى في كل مكان، فإنه بلا تردد وبلا شعور، ينحني امام هذه العظمة بالتواضع والتقدير والاكبار.
تقف زينب، في اي مكان من دون ان تشعر بالمصيبة او المصائب، ومن دون ان يظهر عليها تعب الطريق ومشقة الطريق، ومن دون ان يظهر عليها الاسر ومشكلة السبي، ومن دون ان تخاف من الجيش المراقب، وحتى من حكامهم وكبارهم وصغارهم. من دون الاعتناء بكل هذه المسائل النفسية والمسائل الجسدية لأن بالفعل سفر عشرين او ثلاثين او اربعين يومًا في الصحراء على الجمال، وبالشكل المعهود ينهك الجسم ويتلف القوى. ومع ذلك نحن نجد ان زينب (ع) في كل خطبة كأنها جالسة في البيت، وراء المكتب، تفتكر تدرس وتراقب كل كلمة تلقيها. فلا تجد في جميع هذه الخطب لا كلمة بكاء، ولا الويل ولا الثبور، ولا كلمة خارجة عن الاعتدال ابدًا. كل خطبة تبدأ بالحمد لله والشكر له والثناء لله والحمد والمدح والصلاة على رسول الله وعلى آل بيته، بكل منطق وبكل هدوء، ثم تبدأ زينب سلام الله عليها، في كل خطبة بشرح القصة بشكل موجز ومثير، وتحرك الناس وتجعلهم يندبون ويتوبون ويتأثرون مما جرى.

اما زينب (س) في مجلس يزيد، فقد بلغت القمة في الحديث. كما سمعتم، مرات، في خطبتها التي القتها في مجلس يزيد، امام الملك الطاغية المنتصر المغرور تقف ولا تبالي. خاصة في تعبير بالنسبة الى دخول زينب (س)، الى مجلس يزيد، انها دخلت وعليها ارذل ثيابها. هذا التعبير تمامًا يكشف عن وضعها الروحي، ووضعها الجسمي، وانه زيادة على كل المصائب، هناك مشكلة اللباس الخَلِق.
اليوم حينما يواجه الانسان شخصًا، او يواجه عدوًا، او يواجه ناسًا ولباسه ليس مرتبًا فإنه يشعر بنوع من الاحتقار او نوع من الذل او نوع من الضعف. واما هؤلاء فبالرغم من كل هذا يعني ان جميع وسائل الضعف، كانت موجودة عند زينب، وجميع وسائل القوة كانت موجودة عند يزيد، الاسباب المادية. ما عدا سبب واحد، هذا هو السبب الرئيسي في قوة زينب وفي ضعف يزيد؛ السبب ايمان زينب بالله وعدم ايمان يزيد بالله، وشعور زينب بأنها ملتزمة مع نفسها تقوم بالجهاد، تدافع عن سبيل الله، تؤدي الواجب، ويزيد على العكس تمامًا.
ولهذا، وبالرغم من كل هذه الاسباب، عندما نقايس بين كلمات زينب وكلمات يزيد، نجد ان زينب في اعلى عليين تتكلم مع شخص في اسفل سافلين، بكل ادب وبكل قوة وبكل حزم. في خطبتها فقرات، الحقيقة الانسان يندهش لها، وليس للانسان الا ان يحترم ويكرم ويقف متواضعًا امام هذه القوة.
وبعد الحمد والصلاة والتذكير بآيات الله وفلسفة الموقف. زينب تقف تفلسف المعركة ان كيف حدثت؟ كيف يقبل الله بأن يُقتل الحسين وينتصر يزيد؟ كيف يقبل الله؟ تشرح وتفلسف بآية واحدة: ﴿ولا يحسبنّ الذين كفروا انما نملي لهم خيرًا لأنفسهم انما نملي لهم ليزدادو اثمًا ولهم عذاب مهين﴾ [آل عمران، 178]. انتصارك انتصار مؤقت، انتصار حتى تنكشف امام الناس. اعطاك الله المجال واملى لك، واعطاك فرصة حتى تبين ما في قلبك، ما في نيتك، حتى لا يكون لك عذر ولا للناس حجة، ولا لأحد بحث على ما يقوم به الله من عذابك ومن خزيك في الدنيا وفي الآخرة.
تفلسف الموضوع بهذه الكلمات، وفي خلال الاحاديث تتحدث احاديث غريبة. في الاثناء تقول هذه الكلمة العجيبة: "ولئن جرت عليَّ الدواهي مخاطبتك"، يعني ان مخاطبتك ليست شيئًا طبيعيًا بالنسبة لي، وانما الدواهي والمصائب الكبرى تجعلني اتحدث معك، "ولئن جرت عليَّ الدواهي مخاطبتك"، وتفرض عليَّ المصائب ان اقف امامك، واتحدث معك لكن هذا لا يمنع ابدًا من شعوري النفسي "فلئن جرت عليَّ الدواهي مخاطبتك، اني لأستحقر قدرك واستكبر تقريعك واستكثر توبيخك".
ومع ذلك انا اتكلم معك لكن اعتبرك لستَ اهلًا للكلام وليس اهلًا للمخاطبة؛ واكثر من هذا، لست اهلًا للتوبيخ والتقريع. الانسان يؤنب ويوبخ الشخص الذي يكون قابلًا للتوبيخ اما انت فلست قابلًا للتوبيخ، "وكيف يُرتجى مراقبة من لفظ فوه اكباد الاولياء ونبت لحمه من دماء الشهداء"؛ انت يُرجى منك الخير؟ انت الذي عملت. هذا واقعك، هذه طبيعتك. انت ابن هند التي نبت لحمها من دم الشهداء، ولفظ فوها اكباد الاولياء.
فإذًا، بالرغم من كل هذه العوامل، نجد ان زينب كبيرة كبيرة امام يزيد. وهكذا يريد الاسلام نساءً من هذا النوع، الاسلام لا يريد نساءً (...)

abedzayoun
02-11-2009, 11:16 PM
http://i44.tinypic.com/mueqn5.gif

ام مهدي
02-12-2009, 06:39 PM
بارك الله فيك اخي

Jehad
02-12-2009, 10:00 PM
شكراً على المرور..
السلام على الفجر الحسيني المنبلج من خلف قضبان السجون