حسن ابو علي
08-22-2008, 07:34 PM
http://www.nrnr10.com/lklk/almton.gif
مريم الطاهرة (عليها السلام)
كانتا اختين طاهرتين عفيفتين، إحداهما (حنّة) والأخرى (حنانة) وقد سعدهما الحظ.
فتزوّج بإحداهما وهي (حنانة) النبي العظيم زكريّا (عليه السلام).
وتزوّج بالأخرى، وهي (حنّة) الرجل الصالح السعيد (عمران).
لكن من غريب الأمر أن الأسرتين لم يتحفا بأولاد، مدة مديدة من الزمان.
لقد كان زواج حنّة بعمران مباركاً إلى أبعد حد، وكان يسود الأسرة الرفاه والإلفة والسرور.. لكن هذه النقطة، وهي عدم إنجابها الولد، كانت تلقي في نفسيهما الحزن والأسى.
وخصوصاً في نفس الفتاة الحنون، إنها كانت تحب أن ترى إلى جنبها طفلاً يؤنس وحشتها، ويلقي في نفسها البهجة، وتناغيه في أوقات الوحدة.
لكن الأقدار ما كانت تسمح بذلك، وكلّما تقدّم بها السّن، ازدادت كآبة وحسرة، وذات مرّة، رأت طائراً يزق فرخه، فانبعثت في نفسها موجةٌ من الألم المشوب بالأمل، فهل يمكن أن تزرق ولداً تزقه، كما يزق هذا الطائر فرخه؟
وكلّما رأت أمّا إلى جنبها طفل، تذكّرت أملها وألمها.
وهكذا مرّت الأيام عابسة لا ترى فيها بصيصاً من النور، وكانت قلقة لما تعانيه من العقم.
**** **** ****
موجةٌ من السرور غمرت بيت (عمران) حين أخبر زوجته (حنّة) أن الله أوحى إليه أنه يهبهما ولداً.
لقد تهلّلت أسارير وجه (حنّة) وانقلب العبوس في وجهها سروراً، وأخذت تبسم بعد طول كلوح(1).
يا لها من فرحة! إنها ترزق الولد الذي كانت تتمناه منذ لحظة اقترانها بـ(عمران).
ولم تمض الأيّام واللّيالي، إلا وتحس بأن الجنين يتحرّك في بطنها، فيا للفرحة ويا للسرور! لقد تحقّقت الأماني، وتبسّمت الأيّام، وهاهو الجنين الموعود يتحرّك، دليلاً على رشده ونموّه.
إنها تحسب للجنين ألف حساب وحساب، شأن الأمّهات اللاتي يرجين مستقبل أولادهن.
لكن المرأة الصالحة (حنّة) شكرت لله عطيته، وعرفت لله سبحانه فضله وكرمه، بهبتها هذا الجنين، فأرادت أن تقابل العطيّة بالشكر، فنذرت أن يكون الولد (محرّراً)(2) لخدمة بيت المقدس.
(إذ قالت امرأة عمران ربّ إني نذرت لك ما في بطني محرّراً) عتيقاً لا تشغله أمور الدنيا، بل يكون خالصاً لخدمتك وخدمة بيتك، وخدمة العباد (فتقبّل) يا رب هذا النذير (مني إنك أنت السميع العليم).
وهكذا أخذت (حنّة) تعد الأشهر والأسابيع والأيّام، لمقدم هذا الضيف الجديد، الذي غمر حياتهم بهجة وفرحاً، بعد طول يأس وأسى.
**** **** ****
لم تمض الأيام، إلا و(حنّة) تحس بألم الطلق، فيا له من ألم مفرح، فها هي الساعات الأخيرة، التي تمنح فيها ما كانت تترّقبه بفارغ الصبر.
وإذا.. بالمولود قدّم إلى هذه الحياة، وفتح عينيه للنور.
لكن.. مرّة ثانية غمرت (حنّة) الأمّ، موجةٌ من الحزن، وإن لم يكن الحزن في هذه المرّة، مثل الحزن الذي كان يراودها، وهي حائل.
إنه الحزن بكون الولد (أنثى) فيا لخيبة الأمل، ويا لانهدام الرجاء، فقد كانت ترجو أن يكون المولود (محرّراً) لكن الأنثى لا تصلح للتحرّر، إن المحرّر ولد يناسب دور العبادة، أمّا الأنثى فكيف تعاشر الرّجال؟
ثم إن المحرر يلازم المسجد طول حياته، وإن خرج في ساعات، لم يلبث إلا أن يرجع أمّا الأنثى فلا تقدر على المكث في المسجد في أيام عادتها، ولا مأوى لها لتقضي تلك الأيام هناك.
إنه لا مفرّ من قضاء الله، إنها أنثى، وقد تمّ الأمر، وليس بيد الأم شيء، فسمّتها (مريم) بمعنى (العابدة) ليكون الاسم قريباً مما كانت تقصده من الخدمة للبيت الذي هو للعبادة.
(فلمّا وضعتها قالت) (حنّة) يائسة حزينة، شاكية خيبتها إلى الله سبحانه: (ربِّ إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى) فلا يأتي من الأنثى خدمة المسجد كما كان يأتي من الذكر، (وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك) يا رب (و) أعيذ (ذرّيتها من الشيطان الرجيم) فتلطف عليها وعلى ذرّيتها بحفظك وحراستك، ورعايتك وكلاءتك.
**** **** ****
إن (حنّة) لم تكن تعلم الدور الذي قُدّر لمريم عليها السلام من عالم الغيب، ولم تكن تعلم أنها صديقةٌ طاهرة، لا ترى الدّم، ولم تكن تعلم أنها أفضل من ألف ولد وولد.. فلها الحق في أن تحزن حين تعرف أنها أنثى.
ولو كانت تعرف (حنّة) كل ذلك، لغمرتها موجةٌ من السرور عوض الحزن، والفرح، عوض اللوعة.
ومن ناحية أخرى.. لو كانت تعلم (حنّة) الأم الحنون ما قدّر لبنتها الطاهرة (مريم) من الأتعاب والمصائب، لذرفت الدموع الساخنة، ولعصرت فؤادها الأحزان والأشجان.
إن (مريم) الطاهرة، لابد وان تلاقي مصاعب (الولادة) لوليد بدون أب! وهل يقبل منها أحد ذلك؟ إن مثل هذه الفاجعة لتدكُّ الجبال الرواسي، فكيف بقلب فتاة طاهرة بريئة؟
إن (مريم) الطاهرة، لابد وان تلاقي لوم اليهود وقذفهم، وافتراءهم(3)، بما تكاد السماوات يتفطّرن منه، وتنشقّ الأرض، وتخرّ الجبال هدّاً.
إن (مريم) الطاهرة، لابد وان تلاقي ـ بعد هذا وذاك ـ مصاعب نبوّة ولدها المسيح (عليه السلام)، وكيد اليهود له، وغربتها وغربة ولدها، في الفيافي والجبال، حيث تلفحهما الشمس بحرارتها، وحيث لا يجدان ملجأ ولا مأكلاً ولا ملبساً، إلا عشب الأرض وكهوف الجبال والأسمال البالية.
إن (حنة) الأم الرؤوف لا تعرف ذلك المستقبل الإلهي المشرق، ولا ذلك المستقبل الاجتماعي الأليم، لبنتها الصغيرة (مريم) وإنما تعرف أنها (أنثى) وأنها خابت في ظنونها ورجائها.
**** **** ****
وأخيراً.. استقرّ رأي (حنة) على أن تهدي بنتها (مريم) إلى بيت المقدس، كما نذرت والعبّاد هم يعرفون تكليفها، ما يصنعون بها؟
ولقد كان الأشد على (حنّة) أنها كانت تقاسي كلّ هذه الآلام والحيرة، وحدها، فقد فقدت زوجها (عمران) قبل ولادة (مريم) مما زاد في حزن الأمّ وألمها.. لقد مات الزوج الشاب الصالح قبل أن يرى الوليد الذي طالما تمنّاه، يا لها من مصيبة على قلب (حنّة)! ويا لها من دمعة في مآقيها! ويا لها من غصّة في حلقها!
فلقد فقدت الزوج والكفيل، وبقيت تقاسي آلام الحياة وحدها، ثم خاب ظنّها بالجنين الذي عقدت ـ بعد فقد الزوج ـ آمالها عليه، لعلّه يكون ولداً، تعيش الأم في ظله بدلاً من أبيه!
وما فائدة الحزن واللوعة؟ فالمقدّر كائن.
لفّت (حنّة) بنتها الوليدة في القماط، وتقدّمت إلى بيت المقدس، حيث العبّاد. ثم سلّمتها إلى جماعة من الناسكين الذين كانوا لربهم يرهبون، وقصّت لهم قصّتها..
تهافت الناسكون على أخذ البنت، بكل شوق وسرور، عندما علموا أنها بنت زميلهم الفقيد (عمران) وابنة أخت زوجة سيّدهم ونبيهم زكريا (عليه السلام).
مريم الطاهرة (عليها السلام)
كانتا اختين طاهرتين عفيفتين، إحداهما (حنّة) والأخرى (حنانة) وقد سعدهما الحظ.
فتزوّج بإحداهما وهي (حنانة) النبي العظيم زكريّا (عليه السلام).
وتزوّج بالأخرى، وهي (حنّة) الرجل الصالح السعيد (عمران).
لكن من غريب الأمر أن الأسرتين لم يتحفا بأولاد، مدة مديدة من الزمان.
لقد كان زواج حنّة بعمران مباركاً إلى أبعد حد، وكان يسود الأسرة الرفاه والإلفة والسرور.. لكن هذه النقطة، وهي عدم إنجابها الولد، كانت تلقي في نفسيهما الحزن والأسى.
وخصوصاً في نفس الفتاة الحنون، إنها كانت تحب أن ترى إلى جنبها طفلاً يؤنس وحشتها، ويلقي في نفسها البهجة، وتناغيه في أوقات الوحدة.
لكن الأقدار ما كانت تسمح بذلك، وكلّما تقدّم بها السّن، ازدادت كآبة وحسرة، وذات مرّة، رأت طائراً يزق فرخه، فانبعثت في نفسها موجةٌ من الألم المشوب بالأمل، فهل يمكن أن تزرق ولداً تزقه، كما يزق هذا الطائر فرخه؟
وكلّما رأت أمّا إلى جنبها طفل، تذكّرت أملها وألمها.
وهكذا مرّت الأيام عابسة لا ترى فيها بصيصاً من النور، وكانت قلقة لما تعانيه من العقم.
**** **** ****
موجةٌ من السرور غمرت بيت (عمران) حين أخبر زوجته (حنّة) أن الله أوحى إليه أنه يهبهما ولداً.
لقد تهلّلت أسارير وجه (حنّة) وانقلب العبوس في وجهها سروراً، وأخذت تبسم بعد طول كلوح(1).
يا لها من فرحة! إنها ترزق الولد الذي كانت تتمناه منذ لحظة اقترانها بـ(عمران).
ولم تمض الأيّام واللّيالي، إلا وتحس بأن الجنين يتحرّك في بطنها، فيا للفرحة ويا للسرور! لقد تحقّقت الأماني، وتبسّمت الأيّام، وهاهو الجنين الموعود يتحرّك، دليلاً على رشده ونموّه.
إنها تحسب للجنين ألف حساب وحساب، شأن الأمّهات اللاتي يرجين مستقبل أولادهن.
لكن المرأة الصالحة (حنّة) شكرت لله عطيته، وعرفت لله سبحانه فضله وكرمه، بهبتها هذا الجنين، فأرادت أن تقابل العطيّة بالشكر، فنذرت أن يكون الولد (محرّراً)(2) لخدمة بيت المقدس.
(إذ قالت امرأة عمران ربّ إني نذرت لك ما في بطني محرّراً) عتيقاً لا تشغله أمور الدنيا، بل يكون خالصاً لخدمتك وخدمة بيتك، وخدمة العباد (فتقبّل) يا رب هذا النذير (مني إنك أنت السميع العليم).
وهكذا أخذت (حنّة) تعد الأشهر والأسابيع والأيّام، لمقدم هذا الضيف الجديد، الذي غمر حياتهم بهجة وفرحاً، بعد طول يأس وأسى.
**** **** ****
لم تمض الأيام، إلا و(حنّة) تحس بألم الطلق، فيا له من ألم مفرح، فها هي الساعات الأخيرة، التي تمنح فيها ما كانت تترّقبه بفارغ الصبر.
وإذا.. بالمولود قدّم إلى هذه الحياة، وفتح عينيه للنور.
لكن.. مرّة ثانية غمرت (حنّة) الأمّ، موجةٌ من الحزن، وإن لم يكن الحزن في هذه المرّة، مثل الحزن الذي كان يراودها، وهي حائل.
إنه الحزن بكون الولد (أنثى) فيا لخيبة الأمل، ويا لانهدام الرجاء، فقد كانت ترجو أن يكون المولود (محرّراً) لكن الأنثى لا تصلح للتحرّر، إن المحرّر ولد يناسب دور العبادة، أمّا الأنثى فكيف تعاشر الرّجال؟
ثم إن المحرر يلازم المسجد طول حياته، وإن خرج في ساعات، لم يلبث إلا أن يرجع أمّا الأنثى فلا تقدر على المكث في المسجد في أيام عادتها، ولا مأوى لها لتقضي تلك الأيام هناك.
إنه لا مفرّ من قضاء الله، إنها أنثى، وقد تمّ الأمر، وليس بيد الأم شيء، فسمّتها (مريم) بمعنى (العابدة) ليكون الاسم قريباً مما كانت تقصده من الخدمة للبيت الذي هو للعبادة.
(فلمّا وضعتها قالت) (حنّة) يائسة حزينة، شاكية خيبتها إلى الله سبحانه: (ربِّ إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى) فلا يأتي من الأنثى خدمة المسجد كما كان يأتي من الذكر، (وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك) يا رب (و) أعيذ (ذرّيتها من الشيطان الرجيم) فتلطف عليها وعلى ذرّيتها بحفظك وحراستك، ورعايتك وكلاءتك.
**** **** ****
إن (حنّة) لم تكن تعلم الدور الذي قُدّر لمريم عليها السلام من عالم الغيب، ولم تكن تعلم أنها صديقةٌ طاهرة، لا ترى الدّم، ولم تكن تعلم أنها أفضل من ألف ولد وولد.. فلها الحق في أن تحزن حين تعرف أنها أنثى.
ولو كانت تعرف (حنّة) كل ذلك، لغمرتها موجةٌ من السرور عوض الحزن، والفرح، عوض اللوعة.
ومن ناحية أخرى.. لو كانت تعلم (حنّة) الأم الحنون ما قدّر لبنتها الطاهرة (مريم) من الأتعاب والمصائب، لذرفت الدموع الساخنة، ولعصرت فؤادها الأحزان والأشجان.
إن (مريم) الطاهرة، لابد وان تلاقي مصاعب (الولادة) لوليد بدون أب! وهل يقبل منها أحد ذلك؟ إن مثل هذه الفاجعة لتدكُّ الجبال الرواسي، فكيف بقلب فتاة طاهرة بريئة؟
إن (مريم) الطاهرة، لابد وان تلاقي لوم اليهود وقذفهم، وافتراءهم(3)، بما تكاد السماوات يتفطّرن منه، وتنشقّ الأرض، وتخرّ الجبال هدّاً.
إن (مريم) الطاهرة، لابد وان تلاقي ـ بعد هذا وذاك ـ مصاعب نبوّة ولدها المسيح (عليه السلام)، وكيد اليهود له، وغربتها وغربة ولدها، في الفيافي والجبال، حيث تلفحهما الشمس بحرارتها، وحيث لا يجدان ملجأ ولا مأكلاً ولا ملبساً، إلا عشب الأرض وكهوف الجبال والأسمال البالية.
إن (حنة) الأم الرؤوف لا تعرف ذلك المستقبل الإلهي المشرق، ولا ذلك المستقبل الاجتماعي الأليم، لبنتها الصغيرة (مريم) وإنما تعرف أنها (أنثى) وأنها خابت في ظنونها ورجائها.
**** **** ****
وأخيراً.. استقرّ رأي (حنة) على أن تهدي بنتها (مريم) إلى بيت المقدس، كما نذرت والعبّاد هم يعرفون تكليفها، ما يصنعون بها؟
ولقد كان الأشد على (حنّة) أنها كانت تقاسي كلّ هذه الآلام والحيرة، وحدها، فقد فقدت زوجها (عمران) قبل ولادة (مريم) مما زاد في حزن الأمّ وألمها.. لقد مات الزوج الشاب الصالح قبل أن يرى الوليد الذي طالما تمنّاه، يا لها من مصيبة على قلب (حنّة)! ويا لها من دمعة في مآقيها! ويا لها من غصّة في حلقها!
فلقد فقدت الزوج والكفيل، وبقيت تقاسي آلام الحياة وحدها، ثم خاب ظنّها بالجنين الذي عقدت ـ بعد فقد الزوج ـ آمالها عليه، لعلّه يكون ولداً، تعيش الأم في ظله بدلاً من أبيه!
وما فائدة الحزن واللوعة؟ فالمقدّر كائن.
لفّت (حنّة) بنتها الوليدة في القماط، وتقدّمت إلى بيت المقدس، حيث العبّاد. ثم سلّمتها إلى جماعة من الناسكين الذين كانوا لربهم يرهبون، وقصّت لهم قصّتها..
تهافت الناسكون على أخذ البنت، بكل شوق وسرور، عندما علموا أنها بنت زميلهم الفقيد (عمران) وابنة أخت زوجة سيّدهم ونبيهم زكريا (عليه السلام).