المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مَسـلَك العُرَفـاء


غريبـــة
05-28-2010, 08:56 PM
مَـسلَك العُرَفـاء

بسم الله الرّحمن الرحيم
والصّلاة والسلام على أشرف الخَلْق أجْمعين سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا
أبا القاسم محمد وآلِ بيته الطيّبين الطاهِرين

كثرٌ من الناس قد فهموا أنّ علْم العرفان هو علم معرفة المغيبات،
والقيام بطقوس وعادات مُعيَّنة للحصول على خوارق الأمور والمعجزات،
والبعض الآخَر يقول أنه التصوُّف أو ربّما تحضير الأرواح واستنطاق الملائكة...

يا مَن تملكون عقولاً وقلوبًا تعرف العشق والولَه.. علم العرْفان هو علم معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وتجليلاته والعلم بحقائق الوجود من حيث رجوعها إلى الله من خلال السّيْر الروحي المعنوي نحو الحقّ المطلَق... يتطلّب السلوك الحسَن والابتعاد عن كل قبيح، وصولاً إلى المراحل والمنازل الكماليّة والتوحُّد.. إلى درجات العشق الإلهي المطلَق والفناء فيه. لكي يحقّ لنا أن نتكلّم عن العرفان الحقيقي الخالي من الشوائب ومُتطلّبات النفس والدنيا، لا بدّ أن نستشهد بكلام أمير البُلغاء وسيّد العرفاء وإمام المُتّقين علــيّ أمير المؤمنين عليه السلام. فلقَد تكلّم عن العرفان على أنه علْم معرفة الله وحبّه والإخلاص له عن طريق الطاعة وحُسن الخُلق، لا عن طريق الصّوم لرؤية المغيبات أو استخدام الجنّ وغيره.

قال الإمام في نهْج البلاغة: "أوّل الدّين معرفته، وكمال معرفته التّصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصّفات له" أيْ بداية الطاعة معرفة الله تعالى، فمعرفة الله بالنسبة لنا تكون معرفة ناقصة وقد تكون تامّة. فالناقصة هي إدْراك أنّ للعالَم صانِعًا مُدبِّرًا، أمّا التامّة فهي الإذْعان بوجوده ووُجوبه. والمقصود بنفي الصفات له، أيْ الصفات التي وُجودها غير وجود الذات وحاشا لله أن تستقلّ صفاته عن ذاته، فعلمه وحياته وقُدرته وسمعه وبصره... كلّها موجودة بوجود ذاته الأحديّة.


وللمعرفة هنا وجهتان: فإمّا أن يشهد الإنسان ضعفه وقلّة حيلته وعجزه ويعاين فقره وعبوديّته، ويُبصر جهله، فيخاطبه ضمير الفطرة المغروسة في وجوده الحيّ وعقله المتبصّر بأنك أيّها الإنسان تعلم أنّك لم تكن ثمّ كنت ولم تكوّن نفسك ولا كوّنك من هو مثلك، فيتأجّج الألم في جنباته وتستعرّ نار الشّوق في كيانه، فيهرب من ضعفه إلى القويّ الذي لا ضعف عنده، ويفرّ من عجزه إلى القادر الذي لا عجز يكتنفه، ويعتصم من نقصه بالكامل الذي لا نقص يطاله، ويتعلّق قلبه بالمحبّ الّذي لا طريق للبغض إليه، فيلوذ بالحياة حيث لا موت، ويحتمي بالوجود حيث لا عدم، فهو من معاينة عبوديته ارتبط بالرّبوبيّة، كما يقول الحديث: العبوديّة جوهرة كنهها الرّبوبيّة.

وإمّا أن يجعل معرفة النّفس طريقاً إلى معرفة الربّ، بأن يشهد أنّ مياه النّهر التي شربها من النّبع فاضت، وأمواج البحر التي لاعبها من البحر هاجت، وأشعة الشّمس التي تمتّع بها من قرص الشّمس تلألأت، فيُعيد كلّ ما عاينه في وجوده إلى أصله، فيشهد أنّه ليس هو المستحقّ له، فتذوب إرادته بإرادة ربّه، وتفنى عزّته في عزّة خالقه، ويُرجع كرمه إلى الكريم بذاته، ويُعيد الرحمة إلى رحم الوجود الرّحمان الرّحيم... فيصير عبداً فانياً موحّداً يرى نفسه آيةً تعكس في مرآتها جمال خالقها ومالكها: سَنُرِيْهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ.


كيف السّبيل إلى تلك المعرفة بل إلى ذلك المقام الإلهي؟
يقوم العرفان النّظري على البحث والدّراسة والممارسة الفكريّة، ويعمل على تفعيل وعْي الإنسان بحيث يُحصِّل معرفةً واقعيةً بالله وصفاته وأفعاله ويتنوّر قلبه بعلم حقيقيّ بمبدئه ومعاده، سالكاً الأسلوب العقلي البرهاني، مع تفاعل قلبي وشهود وجداني. يتفاعل عقل الإنسان مع قلبه وحقيقته وسرّه لمشاهدة الواقع كما هو من أعلى مراتبه إلى أدناها.

أمّا العرفان العمليّ التّطبيقيّ فيبحث في طريق السّفر إلى الله تعالى وكيفيّة طيّه وإتمامه، وهو يعمل على قيادة الإنسان وسَوقه نحو الواقع المُشاهَد والمكشوف، فيتمحور موضوعه حول المنازل التي يقطعها الإنسان في سيْره وسلوكه نحو ربّه وكيفيّة تحصيلها وعيْشها ويحذّر من العقبات التي تواجهه في رحلته تلك وكيفيّة تخطّيها وإزالتها كما يكشف عن أسرار عباداته والحقائق المبتغاة من ورائها.

إنّ علماء العرفان والتّصوّف، وإن كانا يهدفان إلى المعرفة الإلهيّة، إلاّ أنّهما يفترقان في الأساليب والطّرق التّربوية الرّوحية ومصادرها، بالإضافة إلى المسلكيّات الإجتماعيّة والتّصرّفات العامة. فالتّصوّف تتّصف به المذاهب والفرق التي تمارس طقوساً عباديّة ورياضات قلبيّة، بهدف تطهير النّفس وترويض القلب، فينحصر بالتّطبيقات العمليّة بعيداً عن التّنظير العقلي ومعطيات الوعي. أمّا العرفان الكلاسيكي، ويقابله الحقيقي أو الشّامخ أو المتعالي، فيُطلق عليه علم معرفة الله، كما تعرّف عليه العرفاء باختبارهم الشخصي
وانطلاقاً من هذه النّظرة الى الله تعالى والتّي لا تَعتَرف إلاّ بالّذات موجوداً حقّاً، فقد عمِل المتصوّف على الاقتراب من الذّات والفناء فيها من خلال الانعزال عن الخلق والزّهد الظّاهري بالدّنيا، فلجأ إلى طقوس اجتماعيّة خاصّة تقوم على التّقشّف والخلوة، واستعان بالأذكار والريّاضات القلبيّة، فجافى عباد الله ليختلي وحده مع ربّه منكراً خلقه، وعمِيَ عن آياته... في حين أنّ العارف الشامخ، والّذي ينطلق من نظريّة وجوديّة تُثبت حقّانيّة الموجودات بحقّانيّة خالقها، عاش بين الناس متألّهاً وعلى الأرض سماويّاً وعاشر العباد ربّانيّاً، فتسامى بلا تجافٍ عن الخلق، وتعالى بلا تخلٍّ، وترقّى دونما انعزال. فلم يلجأ إلى الممارسات الخاصّة والطّقوس الظّاهريّة والزّهد القشري، كما فعل المتصوّف، بل عاش مع الله تعالى في خلقه، وشاهده في آياته، فلم تُعمه الكائنات عن مكوّنها.


وظلّ العرفان الشيعي الأصيل عبر العصور رابطاً نفسه أشدّ الإرتباط بالمصدر الأساس للمعارف الإلهيّة، وبالعروة الوثقى للعلوم الربانيّة ألا وهو الكلام الإلهيّ والوحي الربّانيّ المتجلّي في القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشّريفة ونهج أهل البيت عليهم السلام. فبقي العرفان الشيعي مُطهّراً من التّدخلات البشريّة ومُنزّهاً من الآراء الشخصيّة، وبرح معتصماً بالمصادر الإلهيّة ملتزماً بالينابيع الأصليّة، لا تسليماً أعمًى وتماشياً إرثياً، بل وعى تلك المعارف وعياً دقيقاً، وفهمها فهماً عميقاً، ودخلت وجدانه وكيانه.

إنّ العارف المُتعالي يبحث عن الله في تفاصيل حياته ويعيش معه في أفعاله ومخلوقاته فيخافهُ خيفة المُحبّ ويهابهُ مهابة المشتاق ويحبّهُ محبّة المتّقي ويراعي حرمته ويحفظ كرامته ويُعلي كلمته ويحترم حدوده في الأزهار والأشجار، في الفراشات والأطيار، مع الأشرار والأبرار، مع الأعداء والأخيار، على مدار اللّيل والنّهار، وفي الإعلان والإسرار.. يقول مولى العارفين الإمام عليّ بن أبي طالب: "ما رأيتُ شيئاً إلاّ ورأيتُ الله قبله ومعه وبعده وفيه."

ظلّ محفوظاً عن الشطحات محميّاً من الانحرافات، وقد حمله الأئمّة المعصومون بعد النبيّ مُحمّد، ونقلوه الى خاصّة أصحابهم الّذين برز منهم أبو ذرّ الغفاري وسلمان الفارسي والمقداد وكميل بن زياد وأبو حمزة الثّمالي وغيرهم من أصحاب الأئمّة وتلاميذهم الشرفاء.

بحث مُصغَّر حول مَسلك العُرفاء الذي لا تُصنّفهُ تسْمية ولا يحدّهُ بحث.
دُمتُم بخير، بانتظار تعليقاتكم المُفيدة.