>


الأحد 26 مايو 2013
في

جديد الأخبار
جديد المقالات






المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
حركة أمل
حركة أمل : الولادة - النّشأة - الأبعاد
حركة أمل : الولادة - النّشأة - الأبعاد
25-07-2011 11:31

image

(الولادة، ظروف النشأة، والابعاد)

المقــدمـــة

نحن في ميثاقنا، الايمان بالله ـ المادة الاولى ـ والتراث يوجهنا، والانسان نؤمن به وبكرامته، والظلم نرفضه بانواعه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمحلية والعربية والعالمية. ثم ان المحاضرات التي القيت والكتب التي وزعت أوحت الى شبابنا أن يكتبوا الدروس الثقافية التي أصبحت أربعين وموزعة بين الإخوان.انا بدأت آخذ هذه الدروس، وأضيف إليها، وكما قلت في الإسبوع الماضي، أقدم لكم درسين كل إسبوع يطبعان ويوزعان على الخلايا. طبعا، الدراسة إلزامية قانونية للحركة.
نرجو أنه خلال أربعين درسا تتكون الثقافة الذاتية للحركة انطلاقا مما قرأتم حتى الآن بشكل منسق، وننفتح على الثقافات الأخرى كما كان في بداية الإسلام عندما وصل المسلمون إلى درجة عبر عنها القرآن " اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون " [ المائدة/3 ]
بعد هذه الآية نقول: " اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " [ المائدة / 3 ]، ثم نصل الى هذه الآية: " وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم " [ المائدة / 5 ]. يعني بعد اكتمال الشخصية الإسلامية، لا مانع من العشرة مع أهل الكتاب. إذا"، نحن بصدد اكتمال الشخصية الحركية، يعني الثقافة الحركية.
في البداية، البحث الأول الذي سيكون أربع أو خمس دروس: ولادة حركة المحرومين، وظروف نشأتها، وأبعادها التاريخية والجغرافية بما في ذلك الحلفاء في لبنان وفي العالم العربي وفي العالم.


إن حركة المحرومين في لبنان ولدت رغم لا طائفيتها ـ نحن نقول في ميثاقنا أننا لسنا طائفيين ـ في قلب الطائفة الإسلامية الشيعية وبرعاية القيادات والمؤسسات الرسمية الدينية.
الحركات عادة" تنطلق من القواعد، بينما حركة المحرومين انطلقت من القواعد والقيادات معا وهذا له سبب. السبب للمفارقتين:
حركة لا طائفية تنطلق من قلب الطائفة، وحركة شعبية تنطلق من مشاركة القيادة الرسمية نفسها، ويعود السبب في ذلك إلى عوامل عديدة علينا أن ندرسها:
1 ـ الوضع الاجتماعي والسياسي في لبنان.
2 ـ موقع الطائفة الإسلامية الشيعية في لبنان والعالم العربي.
3 ـ العوامل التاريخية والعقائدية عند الشيعة، أي التراث والمفاهيم الدينية المتطورة: مفهوم الإيمان ومبدأ الإجتهاد لدى هذه الطائفة.
4 ـ دور القيادة في بعث هذه الحركة.
ونجد في هذه الدراسة خطوطا عريضة للعوامل الأربعة هذه ومقارنتها، ونحيل الراغبين في الإحاطة أكثر بالعودة إلى المصادر. هذه الدراسات إلزامية للحركة، والتفاصيل إختيارية، وإنما إلزامية للكوادر طبعا. ومصادر الدراسة ستقدم ككتب للإخوان.


القسم الاول: الوضع الاجتماعي والسياسي في لبنان


أرجو الانتباه. في سنة 1920 ولد لبنان الكبير برعاية وانتداب فرنسا، من قبل عصبة الأمم التي كانت مهتمة بتصفية تركة الإمبراطورية العثمانية في هذه السنة التي تأسس فيها لبنان الكبير ألحقت بجبل لبنان الأقضية الأربعة: بيروت، طرابلس، بعلبك ـ الهرمل، الجنوب، وسميت جميعها " لبنان الكبير ". وكانت فرنسا هي الدولة المنتدبة من قبل عصبة الأمم لإدراة شؤون هذه المنطقة.

ليست جديدة عليكم هذه الأمور، ولكن تسلسل الأحداث فيه فائدة كبيرة في فهم ولادة الحركة.
بولادة لبنان الكبير كانت نهاية العهد الذي استمر منذ 1860 وفيه كان لجبل لبنان، بقضائيه الماروني والدرزي من 1860 الى 1920، إستقلال داخلي يحمى من قبل الدول الأوربية: بريطانيا، فرنسا، المانيا، النمسا، وروسيا. هذه الدول الخمس، كانت بموجب إتفاقية جرت في اسطنبول مع الحكومة العثمانية، تحمي استقلال جبل لبنان. هذه الإتفاقية، في الواقع، فرضت على العثمانين لأن الإستعمار الأوربي الناشىء كان يفتش عن قاعدة في هذه المنطقة إذ أن إسرائيل لم تكن بعد قد وجدت، وكان لبنان الحلقة الأضعف.

1 ـ وضع اليد على جبل لبنان والهجرة:
فمن حوالي أواسط العشرينات 1820 ـ 1824 بدأوا يدفعون باتجاه الخلاف الطائفي في لبنان بين الدروز والموارنة. ووقعت عدة جولات قتل فيها الالاف إلى أن كانت الجولة الأشد والأعنف في نهاية 1859 وأوائل 1860.
في 1860 دخلت جيوش هذه الدول الخمسة إلى جبل لبنان وفرضت اتفاقية على العثمانيين بأن يكون لجبل لبنان إستقلال داخلي.
إذا"، الإستعمار الأوروبي حرك الخلافات الطائفية، أرجو الإنتباه، وأولئك الذين كانوا ينادون بالدين وبالخلافات الدينية وبالدخول إلى الجنة من أجل الدين كانوا ينفذون أفكار الشيطان وأفكار عدو الله في هذا الإطار. دائما الخلافات الطائفية هي كذلك: لا ترضي الله سبحانه وتعالى وهي ليست دعوة إلهية أبدا. حركوا الدروز والموارنة ليشتبكوا مع بعض ولما فعلوا وضعوا يدهم على جبل لبنان.

في هذه الفترة من 1860 ـ 1920 كانت الدول الخمس تتنافس على إجتذاب الفئات فكل دولة أوروبية تعتمد فئة، عشيرة، طائفة معينة. فالمعروف أن الانكليز كانوا يتحببون إلى الدروز، والفرنسيين والإيطاليين كانوا يتنافسون على الموارنة، وروسيا كانت تعتمد الأرثوذكس وهكذا..
في هذه الفترة، كل دولة قدمت المساعدات الثقافية والتربوية والفنية للفئة التي تعتمدها حتى كاد أن يتحول جبل لبنان إلى قطعة من أوروبا ثقافيا وحضاريا.

إنتشرت الجامعات، وسمعتم بالمعاهد التعليمية والمستشفيات والمصحات. تعرفون معهد عينطورة، من حوالي مائة وثلاثين أو مائة وأربعين سنة وهو مدرسة ثانوية ضخمة جدا وأنا ألقيت محاضرة في قاعتها ودهشت لموجوداتها إذ لا يوجد مثلها في جامعاتنا. الجامعة الاميركية وعمرها حوالي مائة وعشر سنوات، مصح " بحنس "، مستشفى هملين وغيره، قديم وعمره حوالي مائة سنة أو أكثر.. زرعوا هذه المناطق بالمؤسسات ورفعت الدول الأوروبية مستوى النخبة من أبناء جبل لبنان، في حين كان جمهور الشعب الماروني يعيش فقرا مدقعا اذ أهلكه القحط، وكان يضطر للهجرة إلى الاميركيتين وإلى إفريقيا الغربية وأنتم تعلمون أن الهجرة اللبنانية في الفصل الأخير بدأت في أواسط القرن التاسع عشر ابتداء من جبل لبنان. لذلك نرى أن المهاجرين القدامى الأولين إلى القارات المذكورة هم المسيحيون والدروز من جبل لبنان، اما هجرة الشيعة فقد بدأت في بدايات القرن العشرين.

ومن جهة أخرى أعفي أهالي جبل لبنان من دفع الضرائب ومن الخدمة العسكرية للحكم العثماني. وهذه العوامل تتمثل في المثل اللبناني القديم: " نيّال من له مرقد عنزة في جبل لبنان ".
وقد إستفادت الدول الاوربية من أبناء الجبل المسيحين في شمال إفريقيا فعملوا كمترجمين وخبراء للمستعمر الفرنسي. وكانت الهجرة الثقافية إلى مصر وتأسيس الصحف الكبرى في القاهرة: الأهرام، والهلال والمقتطف أسسها مسيحيون لبنانيون. آل زيدان وعائلات لبنانية، غالبيتها من كفرشيما، أقامت مؤسسات ثقافية. كذلك كانت الهجرة السبب في انتقال الأدب العربي إلى أميركا اللاتينية وتأسيس العصبة الأندلسية هناك. وبرزت المنادة بالقومية العربية، لمحاربة الحكم العثماني المتستر بالإسلام، من قبل أبناء الجبل، وبدأ التفاعل الحضاري والثقافي بين العرب وأوروبا، ذلك التفاعل الذي إنتشر في العالم العربي بواسطة الجامعات والمدارس الموجودة في الجبل.


2 ـ لمحة عن الاقضية:
دام هذا الوضع جيلين ترسخ في أثنائها في نفوس أبناء الجبل وخلق في بعض النفوس شعورا بالتفوق بأنهم كانوا متقدمين ـ تفوق وتقدم حضاري ـ بينما برز الشعورالقومي العربي لدى الآخرين منهم. في هذا الوقت، أي بين 1860 ـ 1920 ، كان وضع الأقضية الأربعة يختلف كليا عن وضع جبل لبنان. كان جبل لبنان في هذه الفترة يتقدم بشكل صاروخي ويقترب حضاريا وثقافيا من أوروبا، بينما الأقضية الأربعة الأخرى تختلف.
بيروت وطرابلس كانتا موضع رعاية العثمانين باعتبار أنهم أبناء مذهب واحد، وأصناف النشاط التجاري بلغت الأوج. والمؤسسات الإسلامية الثقافية باسم المقاصد الخيرية تأسست من أيام العثمانين. البيروتيون والطرابلسيون، وحول بيروت، منطقة إقليم الخروب... استلموا مهاما رسمية وألقابا عثمانية: بيك ـ باشا.. وكانوا بدورهم يحسون بتفوق معنوي بسبب ارتباطهم بالسلطان، بالباب العالي. هذا وضع جبل لبنان والشمال وبيروت وبقي وضع القضائين الشيعيين.

أما البقاع، بعلبك ـ الهرمل، فبسبب الأكثرية الشيعية كان موضع إهمال من الدولة العثمانية التي شجعت فيه النظام العشائري وغاب عنه أمن الدولة. وكانت السلطات العثمانية تساهم في إفقار المنطقة وحرق الغابات الكثيفة الموجودة فيها، وربما تعلمون أن جبال بعلبك ـ الهرمل كانت مليئة بالغابات، والحكومة العثمانية كانت تقطع الأشجار من هذه الغابات لحرقها في تسيير القطارات وسكك الحديد، فكنت ترى المحطات مليئة بالأخشاب التي اقتطعت من أشجار هذه المنطقة. أي أن العثمانيين لم يكتفوا بعدم خدمة المنطقة وحسب، بل وعمدوا إلى إفقارها ومن جملة الإفقار نزع الأحراش من المنطقة، وتجهيل الناس، ورعاية تخلفهم الحضاري، وتحريض الناس على الأخذ بالثأر، وأمثال ذلك. وإلا فهذا أمر غريب، في وسط هذه المنطقة المتحضرة، أن تتحكم العشائرية.

أما الجنوب فكان يعيش الفقر وسيطرة عمال السلطان. شبابه يساقون إلى الخدمة العسكرية وإلى حروب اليمن ـ وكان يسمى " سفربرلك ". والذي كان يذهب إلى الحرب كان يودع أهل بيته، فهو ذاهب للموت. وكان يعفى من الخدمة العسكرية كل من يدفع ضريبة باهظة ـ خمس وسبعون ليرة ذهبية ـ ولما كان الأهالي لا يملكون هذا المبلغ، فإن البعض كان يبيع أرضه. لمن؟ لآل الملوك، آل جنبلاط، آل الاسعد.. للاقطاعيين القدامى والجدد الذين كانوا موجودين في الجنوب.
كان هؤلاء الإقطاعيون يشترون الأراضي، وبالتالي أصبح الجنوب فارغا من الشباب من جهة، وأصبحت أراضيه ملكا" للإقطاعيين الجدد من جهة أخرى، وتعطلت مدارس جبل عامل. هل تعلمون أنه في حناوية، عيتا الزط، النبطية، حبوش، العباسية... في كل بلد كان هناك جامعة صغيرة؟ الجامعات الدينية وعلماء جبل عامل معروفون. وكان هناك رئيس جامعة دينية صغيرة في حناوية وهكذا في كل بلد، وآخرهم مدرسة السيد حسن يوسف مكي في النبطية، والذي كان أستاذاً للشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ظاهر والشيخ أحمد عارف الزين وهؤلاء كونوا النهضة العاملية الأخيرة.

عم الجهل والتخلف، وفتك بعض الولاة العثمانيين ـ أحمد الجزار ـ بالعلماء، ومن جملتهم جدي طبعا السيد صالح شرف الدين، وأحرقوا كتبهم وطردوا كبارهم، وساد الظلم والإضطهاد وبدأت الهجرة. ويقال أن أفران عكا اشتغلت إسبوعا كاملا بإحراق كتب علماء جبل عامل، هذا لا ينسى!
إذا"، جبل لبنان يطلع للقمة، طرابلس وبيروت تجارة واتكالية، والجنوب والبقاع ينزلان إلى الحضيض. بهذا التفاوت العميق بين المناطق الخمسة شكل لبنان الكبير بعد الحرب الكونية الأولى، وفي هذه الظروف المتباينة أسست فرنسا الإستعمارية الدولة الجديدة.
وتمكن أبناء الجبل، ولا سيما الموارنة، من خلال الظروف الثقافية والعلاقات المتينة مع أوروبا، من أن يحتفظوا بالمراكز الأساسية في الدولة. ويبدو بوضوح في الوثيقة الأساسية أن " لبنان الكبير " هو جبل لبنان والأقضية التابعة له ولذلك اسمه لبنان.

في الواقع، الأقضية الأربعة أقمار حول الشمس ـ حول جبل لبنان ـ هذه هي العقلية التي سادت، أي، أن الأقضية الأربعة مزارع تابعة لجبل لبنان.
طبعا فترة الحماية الأوروبية كان لها تأثير في إرتباط أبناء الجبل بأوروبا والعالم دون العالم العربي لأنه أيضا"، كان خارجا من الإستعمار، وكان تحت الحماية الإنكليزية أو الفرنسية في ذلك الوقت. هذا الربط كان يشجعهم على الإمساك والتمسك بدفة الحكم وعلى شعورهم بالإنتماء الغربي.

3 ـ عهد الاستقلال:
وفي زمن الإستقلال، تنازل أبناء الجبل عن الإنتماء الأوروبي مقابل تنازل الاقضية الاربعة عن الوحدة العربية، فكما يقولون، نفيان اسسا الميثاق الوطني: بالنسبة للمسيحيين عدم الإنتماء للغرب، وعدم الوحدة مع العرب بالنسبة للمسلمين. هذا أساس الاستقلال عام 1943، أي بعد الحرب الكونية الثانية.
مع العلم أن فترة الإنتداب أسست إمتيازات الموارنة وأبناء جبل لبنان، ورسخت سيطرتهم، وبالتالي كانت السبب في خلق النظام الطائفي الذي نعيشه اليوم، والغاية الحقيقية منه إبقاء الوجود السياسي المميز للطائفة المارونية وعدم ذوبانه.
طبعا"، الواقع أن النظام الطائفي: رئيس الجمهورية ماروني ورئيس الوزراء كذا ورئيس المجلس كذا.. هذه أمور كانت في الواقع عبارة عن الحفاظ على الإمتيازات التي حصلوا عليها في أثناء الفترة 1860 ـ 1920. ولكنهم كانوا يعطون بعض المبررات: أولا"، كانوا يقولون أن الأقليات في العالم العربي مضطهدة وأن الأكثرية الإسلامية لا تسمح للكفاءات أن تبرز وأن تتسلم المراكز الأساسية. والحقيقة أن مسألة الأقليات لو صحت في الغرب، فهي ليست صحيحة إطلاقا في العالم الإسلامي حيث يحمي الإسلام بقوة كافة الأقليات المؤمنة بالله، ويشهد التاريخ أن الكفاءات اليهودية والنصرانية في العالم الإسلامي كانت موضع اهتمام واحترام.
ثانيا"، كانوا يقولون أن الطوائف اللبنانية الموزعة في المناطق هي متفاوتة المستوى، ولذلك فوجود النظام الديموقراطي الليبرالي، والذي هو استباق بين أبناء الشعب لا يمكن أن يكون نظاما عادلا" لأن الفرص المتوفرة للناس متفاوتة وليست متكافئة. لذلك لا بد من وجود تقسيم لهيكل الدولة بين الطوائف. الهيكل يجب أن تتقاسمه الطوائف التي هي بمنزلة الأحزاب في البلاد.

لكن الذي حصل أن الهيكل تقاسمه زعماء الطوائف. فكنت ترى أن الزعيم الشيعي أو الزعيم السني يأخذ خمسة مراكز مثلا فيبحث بين أقاربه عن أناس يوليهم هذه المراكز الأساسية، فإذا" لم يجد شخصا" منهم فإنه كان يتنازل عن هذا الحق.
هذا الذي حصل في بداية التقسيم، إذا كان التقسيم في الواقع تقسيما" للمرافق بين الإقطاعيين ولم يكن إطلاقا تقسيما بين الشعب، وبقيت أكثرية الناس محرومة من الفرص كافة.
وفي النهاية، بقي عهد الإستقلال استمرارا" للعهود السابقة، فازداد الحرمان والتفاوت والشعورالعام بالتمييز الطائفي والتذمر، وبقي المجتمع متفككا غير متماسك. وبقي أصحاب الإمتيازات يحمون دولتهم بالمظاهر الزائفة: من الإزدهار الإقتصادي بالعواطف، إلى الفلسفات الخاوية أن الصيغة اللبنانية أفضل الصيغ، قوة الجيش، الإمساك بمفاتيح السلطة، وتنازلوا جزئيا في بعض الفترات لبعض الفئات فعملوا تحالفا مارونيا ـ سنيا، وتحالفا مارونيا ـ درزيا. وهكذا حاولوا أن يرضوا بعض الفئات الأخرى ويعطوا قليلا من الإمتيازات هنا وهناك، ولكن التحالف كان دائما بين الإقطاع والأغنياء من مختلف الطوائف وبين الدولة.

هذه المحاولات لم تكن نافعة ولم يتمكن أولو الأمر من بناء مجتمع متماسك موحد كما لم يتمكنوا من البت في أي موقف أساسي سياسي أو إقتصادي أو ثقافي.
بقيت الدولة اضعف الفئات ـ أداة حفظ التوازن ـ وتعمقت الزعامات التقليدية وأصبحت موروثة، وبقيت المؤسسات كلها، وحتى الجيش، حذرة، مجمدة، محجمة، تسد أبوابها في وجه الأكثرية الساحقة من أبناء الشعب... وتروضت الأحزاب. وأحب أن أتكلم هنا عن الأحزاب.
الأحزاب السياسية تروضت في هذا المجتمع فتحولت إلى زعامات جديدة، واضطرت بسبب التعقيدات الموجودة في المجتمع الى استعمال نفس الأساليب والوسائل المتعارفة لدى الإقطاعيين: يأخذون منحا لجماعاتهم، يرعون مصالح عناصرهم، يتحالفون مع الخصوم ومع الشيطان حتى ينجحوا، يتحالفون مع الإقطاع حتى يصبحوا نوابا وهكذا.
إستعمال الوسائل التقليدية في لبنان من قبل الأحزاب لم يمكنها من استقطاب الناس. الحزب الشيوعي مثلا، تاريخ تأسيسه يعود إلى خمس وخمسين سنة من قبل الأحداث. ما حجمه؟
أخذت الأحزاب قليلا بقوة السلاح ولم تتمكن من تحسين أحوال الناس وأعمالهم ومصالحهم، وتحولت إلى تحالفات سياسية تستعمل من قبل الزعامات المحلية تارة ومن الأنظمة والقوى العربية والعالمية تارة أخرى.

إن هذا الوضع الإجتماعي الشاذ جعل التسلل من الخارج لكل طامع أمرا في منتهى السهولة، فاصبح المجتمع اللبناني ساحة صراع بين العرب وغير العرب واستفادت " الميركنتيلية " اللبنانية من هذا الصراع ماديا ولكنها دفعت الثمن غاليا ومرة واحدة في الأحداث الأخيرة.
هذا فيما يخص الوضع الإجتماعي والسياسي في لبنان، والذي يشكل المادة الأولى والأرضية لطرحنا مسألة نشأة الحركة ودورها.


القسم الثاني: موقع الطائفة الإسلامية الشيعية في لبنان والعالم العربي


إن الشيعة كانت في لبنان منذ أن كان، عمرت سهوله كما عمرت الجبال، وعصمت جنوبه كما شرقه والشمال.. عاشت معه في السراء والضراء، فسقت تراب لبنان من دم، كما رفعت في سمائه، الوية مجد. شاركت في اخضراره، فلم يعتب الجمال، وقادت ثوراته فلم تعتب السيوف، وبذلت حتى تعبت الحتوف. إن مدارس العامليين وكتبهم خلال عشرة قرون، هي مكاتب لبنان.
نظرة سريعة إلى التاريخ، نرى الخدمات التي قدمتها هذه الطائفة من أيام العامليين الحمدانيين ودولة بني مرداس وبني عمار في طرابلس والشمال ومكتبتهم المعروفة بأنها كانت تحوي مليون كتاب. في الحقيقة، أحسن شيء يجمع هذه الأمور محاضرة للدكتور محمد علي مكي، وسأعطي مقتطفات منها عن دور الحمدانيين وبني مرداس وبني عمار وثقافتهم التي أفادت الحضارات وعمران صور. وكما يبين في بعض المناطق، تطورات صور العمرانية، سياسة أبنائها وشجاعتهم المذهلة، وصلابة جبل لبنان وتنقلات الشيعة القاسية فيه خلال القرنين العاشر والحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر، مواقفهم الحاسمة ضد الصليبين، صلابتهم النادرة أمام الإضطهاد المملوكي، وفي المجازر الرهيبة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. هذه صفحات من تاريخ الشيعة جعلت بينهم وبين لبنان ميثاقا عميقا وأبديا لا يتنازلون عنه ولا يتنازل هو عنهم، لأن مسألة كل منهما حيال الآخر مسألة مصير.
وبعد تلك الأمجاد تحركت عهود الإستعمار والإستبداد فشردت شبابهم وأفقرت أراضيهم وهدمت مدارسهم وخلقت لهم من مناطقهم سجونا" ومن حياتهم شجونا وبقي الأمل في ليلهم المدلهم الذي تجاوز قرونا وقرونا.
ثم طلع الفجر وتحقق الأمل وجاء الإستقلال يمسح الجروح ويرفع كرامة المواطن ويمنح الحرية والعدالة ويجند طاقات الإنسان ليساهم في بناء وطنه ورفع مستواه، وبالتالي يشترك مع إخوانه في عطائه القومي ومشاركته الإنسانية. وأخلص الشيعة لهذا الوطن وبدأوا يعملون فيه بكل اهتمام ودقة.
واختار اللبنانيون الديمقراطية نظاما لا يقبلون عنها بديلا. ثم لاحظوا أن المناطق اللبنانية مختلفة جدا في المستويات الثقافية والعمرانية والإجتماعية وكأنها بلاد تتفاوت حضارتها، وهذا يعني أن الفرص غير متكافئة ونظام التزاحم غير عادل.
وبنتيجة هذه العوامل، لاحظوا أن العدالة الإجتماعية ستبقى خيالا في الخاطر، ووحدة الوطن شعارات تطلق في الأعياد والمناسبات، والتمنيات.
أما الفروق بين المناطق والطوائف فتزداد يوما بعد يوم كما هو الحال بين الدول الصناعية والنامية مما جعل العالم يواجه اليوم أصعب مشكلة إنسانية يعهدها.
ومما يزيد من عمق المشكلة في لبنان أن الناس تعودوا خلال تاريخهم الطويل أن يعيشوا فئات، عائلات أو طوائف.
لأجل ذلك كله، ولان المناطق كانت منقسمة بصورة تقريبية بين الطوائف، قرروا نظام التقسيم الطائفي في هيكل الحكم وفي خيرات الوطن، واتفقوا على ذلك ضمن ميثاق وطني مؤقت إيمانا منهم بأن هذه الطريقة هي الضمان المناسب للعدالة الإجتماعية بين أبناء الوطن الواحد في مرحلة التأسيس.. مرحلة الإنطلاق.
هكذا نفهم، بأقصى درجات التفاؤل وفي أفضل تفسير للأحداث، معنى النظام الطائفي في لبنان وقد سبق وعرفنا التفسيرات الأخرى التي ترد لدى الكثير من الباحثين والأيام أثبتت صحتها.
ومرّ ربع القرن، أي عمر جيل هذه التجربة الفريدة في العالم، وهذه المدة كانت كافية لتقييم النتائج رغم قصرها في عمر الأوطان.
بدأ اللبنانيون خلالها عموما" وأبناء منطقة الجنوب والبقاع بوجه خاص، بتحمل مسؤولياتهم الوطنية مستفيدين من ظلال الديمقراطية والحرية والإستقلال ليمارسوا نشاطهم الحياتي في نطاق هذه المثل العليا الكريمة.

والشيعة الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من هاتين المنطقتين، أصبحوا يعتقدون أن عهود الإستعمار والإحتقار والتصنيف وطمس الحقائق قد ولت، وأن عليهم أن يتحركوا من أجل خلق حياة أفضل لهم ولأولادهم ومن أجل وطن عزيز كريم مستقل. فكان الإتجاه أولا نحو الزراعة، فحولوا القطاع الساحلي في الجنوب إلى بساتين غنية تشكل رقما قياسيا في الدخل القومي، وحولوا سهول البقاع إلى مزارع لا مثيل لها في الشرق، وبقيت المناطق الجبلية التي لا ترتوي بالماء فزرعت بالتبغ وبمختلف المحصولات البعلية.
وانتقلت النخبة منهم إلى المدن، إلى العاصمة لأجل العمل فشارك عشرات الألوف منهم في حقول العمران والمصانع والسياحة والبلديات والميناء والمطار والمسلخ. في حين هاجر الطامحون منهم إلى البلاد العربية الشقيقة وإلى إفريقيا الغربية وإلى أميركا اللاتينية وأستراليا. هاجروا دون توجيه أو حماية عسكرية أو سياسية أو قانونية سوى حماية خلقية وأصالة شخصية، وتجاوز عددهم خلال هذه المدة مائة ألف مهاجر يعملون بجهد ويعيشون في تقشف على أمل العودة.
الإقبال على التعليم كان شديدا، فالآباء يعملون ويتحملون الأشقى من الأعمال كي يوفروا المال اللازم لتعليم الأبناء حتى المستويات النهائية.
والأبناء والبنات يتلهفون إلى المدارس، وكانوا يقطعون في بعض الحالات ويوميا بضعة كيلومترات ليصلوا إلى المدرسة.
ويزداد العدد، ففي العام الدراسي 1966 ـ 1967 زاد عدد الطلاب في الجنوب ثلاثين بالمئة، وأصبحنا لا نجد اليوم بين الأجيال الطالعة إلا ثلاثة بالمائة من الأميين بدلا من سبع وأربعين بالمائة قبل خمسة عشر عاما. واشترك الكثير منهم في الوظائف فكانوا نماذج للإخلاص والجد ونزاهة الكف وكان منهم الخبراء والإختصاصيون الكبار.
والرغبة في الإنضواء في سلك الجيش والأمن الداخلي كانت جامحة عندهم، وبرغم الموانع التي تقف في طريقهم بحجة عدم التوازن نشاهد ارتفاع المعدل لديهم فكانوا في طليعة المناضلين والأشداء في سبيل الدفاع عن الوطن وعن أمنه وقدموا ضحايا كثيرة حتى في سلاح الطيران. وكان السعي في الإعلام والمكتبات والفن والرياضة والتعلم وفي مختلف الإختصاصات الحرة من طب وهندسة ومحاماة وغيرها.

إن هذا الإندفاع كان بحاجة إلى رعاية الدولة وحماية الوطن لكي يجعل المستويات المتباعدة بين المواطنين متقاربة، ويصب الطاقات الخيرة في خدمة منسقة للوطن ترفع من شأنه ومنع تعرضه للأذى من الخارج أو التمزق من الداخل. هكذا كنا نفهم الطائفية في النظام الديمقراطي.
كل هذه الأمور دليل على أن الشيعة التزموا بواجباتهم الوطنية تجاه لبنان بكل قوة وأعطوا كل ما يملكون في هذا السبيل.
لكن المبادرات هذه لم تلق الأصداء المطلوبة لدى المسؤولين منذ بداية الإستقلال، وكانت دائما تصطدم بعراقيل وموانع نابعة من الإهمال والإلتهاء بالمصالح الخاصة، تصطدم بنوايا سيئة ومبيتة لخلق اليأس والجمود والإتكالية والإستزلام وسيطرة الإقطاع على البلد الطيب العريق الذي يعيش فيه شعب هو من أرقى الشعوب في العالم ويملك تاريخا قل ما يوجد لدى شعب آخر أو أمة اخرى.
نذكر في هذه المحاضرة نماذج من الضروري جدا أن يعرفها الحركيون. إنها ليست تفاصيل فنية ولكن دراسات دقيقة وملخصة.
نذكرها على سبيل المثال لا الحصر تدليلا على المطلب وشهادة حق لمصلحة المعذبين في هذه الجنة، جنة الله على الأرض ـ لبنان.

في حقل الزراعة: الأرض الواسعة التي تتجاوز ثلثي الارض الزراعية في لبنان وهي من أحسن الأنواع وأخصبها، كانت موجودة، واليد العاملة مستعدة والخبرات التجريبية والفنية متوفرة ولكنها تحتاج الى الماء. الماء هذه النعمة الإلهية التي منحها الله تعالى لبلدنا الطيب بكميات كبيرة تبلغ احد عشر مليار مترا مكعبا في السنة ولكنها تهدر في البحر عدا ستماية مليون مترا مكعبا منه فقط.
هذا الماء كان موجودا في البقاع والجنوب، فكانت الحاجة إلى مشروع الليطاني وإلى إقامة سد على نهر العاصي وإلى تنفيذ بحيرة اليمونة وإلى إنشاء السدود في وادي سباط ـ جنتا، يحفوفا وشمسطار وإلى مشاريع مياه في مرجحين، جباب الحمر، اللبوة وحوش تل صفية وإيعات وغيرها.
أسست مصلحة الليطاني سنة 1954 وصرفت أربعمائة مليون ليرة لبنانية ولم توضع دراسة شاملة للري بل العكس حولوا ثلاثماية مليون مترا مكعبا من نهر الليطاني الى نهر الأولي لأجل مشاريع الكهرباء وبذلك حرموا الجنوب منها.
وكان المستعمر الفرنسي قد أسس سنة 1932 بداية السد في العاصي وبدأ بقناتي الهرمل والعين ثم تجمد كل شيء حتى عام 1964 حيث وضعت الإعتمادات اللازمة للدراسة لكي تتجمد مرة أخرى، وتبقى الأرض الخصبة في المنطقة بائرة ويبقى الناس هناك في فقر وعذاب وشقاء يهاجرون إلى المدن ويتقاتلون فيما بينهم ويرحل الأمن والسلام ويستقر التخلف والحرمان.
وهكذا كان مصير المشاريع الأخرى، واستمر هدر مليارات أمتار المياه إلى البحر، تأخذ معها التربة والخصوبة، فتصبغ البحر وتؤكد للعالم عدم صلاحية المسؤولين عن الحكم، وتعطي للعدو حجة دامغة لإدانتنا وللطمع في أرضنا ومياهنا.
وكان الزرع الغالب في الجنوب، بسبب عدم وجود المياه، التبغ، ومأساة التبغ دامية وحزينة: يعمل الفلاح مع جميع أفراد عائلته خلال السنة الكاملة لكي يفرض عليه الكم والنوع والسعر، وتتحكم فيه " الريجي " وتحتقره وتصنفه بدلا من تصنيف التبغ، لكي يلجأ إلى الوسطاء لاخذ حقه المشروع. أما إذا طالب بحقه بدون واسطة فجزاؤه الطرد والحرمان وفي بعض السنوات الرصاص.

وإليكم بعض معالم هذه المأساة بالأرقام:
ـ ثلاثمائة ألف مواطن ترتبط حياتهم بزراعة التبغ.
ـ يساهم مزارعو التبغ بأكثر من أربعين مليون ليرة في الدخل القومي.
ـ كلفة الكيلو غرام من التبغ من وقت استلامه من المزارع إلى وقت وصوله إلى ظهر الباخرة في لبنان 5,50، ليرات وفي تركيا او غيرها 1,30 ليرة، وذلك لأجل النفقات الإدارية الباهظة التي يتحملها المزارع.
ـ معدل الهدر عند الفرز في العالم 8 إلى 12 بالمئة، وفي لبنان يبلغ 28 بالمئة.
ـ معدل الزرع في العالم من 8 إلى 13 دونما وفي لبنان 1,80 دونما وهكذا يعرف سبب الخسارة التي يدعونها في شراء التبغ من المزارع ويمننونه.
اسعار التبغ في العالم ارتفعت سنة 73 بين 30 بالمئة وإلى 50 بالمئة ومع ذلك ففي لبنان زاد السعر في هذه السنة للمزارع 5 بالمئة وفي سنة المأساة 1972 ورغم زيادة السعر في العالم خفض السعر 2 بالمئة

ـ قدر معدل الإنتاج لدونم واحد في الجنوب بين 90 و 110 كيلوغراما وفي الشمال قدر هذه السنة 440 كيلوغراما.
ـ وقد اطلعتم من خلال الصحف على التفاوت في الأسعار وفي المعاملة وفي النوعية وعلى الأوضاع التي تهدد كيان هذا الزرع من أساسه في لبنان.
وفي حقل الزرع أيضا لا بد من أن نضيف مشكلات التسويق الذي يمارسه المسؤولون، رغم وجود مؤسسات كبرى مع موازنات كثيرة لأجل تسويق الحمضيات والموز والتفاح والحبوب ومشكلات بيع الخضار وبصورة خاصة الشمندر.
وإذا أضفنا إلى هذه اللوحة المأساوية عن وضع المزارعين، ذلك البعد الدامي الذي يرتسم في كل يوم وفي كل إسبوع ست مرات بواسطة العدو الاسرائيلي على أرض الجنوب فيمنع المزارعين من جمع محصولهم.
وإذا أضفنا إلى ذلك محنة الغلاء المثقل المتزايد، تكتمل الصورة..
أما العامل الذي رأيناه يترك قريته لكي يؤمن قوت أهله ونفقات دراسة أولاده، فانه يعيش في ضواحي بيروت في ظروف قاسية لا تتناسب مع مستوى لبنان الحضاري، بل لا مثيل لها في أكثر البلدان المتخلفة.
بيوت مزدحمة، دون تنظيم، وفي أحياء محرومة من الكهرباء والماء ومن المدارس والمستوصفات والطرق والمجارير... يسكنها ثلاثمائة وخمسون ألف عامل تقريبا والتدبير الرسمي الوحيد هو وضع تخطيط ورسم شوارع متقاربة لكي تقضي على البيوت بصورة نهائية.
وعندما أردنا المبادرة بالتعاون مع سكان حي ظهر الريحان بالحدث؛ حيث أقيمت كلية العلوم من الجامعة اللبنانية، وبالتعاون مع الخيرين من إخواننا بنينا قرية نموذجية ومساكن شعبية بلغت أربعمائة وستين بيتا، وعندما سعينا لإسكان الناس وتسهيل مهمة بناء الجامعة جاءت تدابير تمنع السكان من الماء والكهرباء وغيرهما من ضرورات الحياة جزاء لهذه المبادرات.
وأصعب ما في هذا الحقل هو إفراز هذه الأحياء مئات من المشردين يجوبون شوارع بيروت يشكلون المجال المناسب لمختلف الجرائم رغم ذكائهم الفطري بلغ عددهم سنة 68، الفا ومائة طفل.
أما المهاجرون فان لقمتهم المغموسة بالدم والعرق والغربة كانت تطعم القريب والغريب، وجهدهم المتواصل كان يصرف في سبيل عمران العاصمة والقرى ونجاحهم الجزئي 4 بالمئة فقط كان مستورا، وكانوا يخفون حنينهم ومأساة أولادهم الذين كانوا يجهلون آباءهم وأمهاتهم. كل ذلك لكي يؤدوا واجبهم الوطني.
وقد أهملهم الوطن، حاشا الوطن، لقد أهملهم المسؤولون لا من حيث الحماية أو التمويل أو التسهيلات الجمركية أو الضريبية وغيرها، لا. لا. بل حرموا من أبسط المسؤوليات الحكومية تجاه المواطن في الخارج، وإليكم بعض الأمثال:

لقد صرح لي رئيس وزراء غينيا أن رحلة واحدة من أحد المسؤولين اللبنانيين إلى غينيا كفيلة بخروج عشرات من اللبنانيين المقيمين هناك من السجن كما حصل ذلك بالنسبة لرعايا فرنسا والمانيا الغربية عندما اعتقلوا بنفس الإتهام.
ومع ذلك لم يسافر أحد وبقي هؤلاء سنوات في سجون بلاد الاغتراب.
والآن يعاني مئات من اللبنانيين في جمهورية إفريقيا الوسطى أشد أنواع الإضطهاد والحجز ولا يخرج أحدهم إلا بدفع مئات الألوف ومصادرة أمواله، والرئيس بوكاسا ينتظر مبادرة رسمية من الحكومة والألوف من شبابنا وعائلاتهم ينتظرون دون جدوى.
أما مأساة الجالية في كنغو كينشاسا فقد انتهت بمبادرة شخصية من مواطن انتظر طويلا برقية رسمية أو مراجعة أو رحلة من بيروت. ثم اتفق مع الرئيس موبوتو بعد إنهاء المشكلة بأنه سيسعى لإقامة سفارة لبنانية هناك شأن الدول العربية الأخرى، ولكن الوعد لم ينفذ بل القنصل الفخري يستنيب وكيلا له والوكيل ينيب عنه وكيلا" آخر يرعى شؤون الجالية اللبنانية ـ وهو يهودي ـ.

والوضع في أغلب المهاجر من جهة الادارة القنصلية سيء للغاية إذ لا يوجد أكثر من شخص واحد لعشرين الف لبناني في إقريقيا الغربية.
هذا والاوضاع الاجتماعية تتغير بسرعة في بلاد الاغتراب وهذه تستدعي الحضور الدائم الذي يحل محله الان غياب دائم والمأساة.
وأترك البحث عن وضع المهاجر بعد عودته كالمحارب المنتصر العائد، أترك هذا البحث الحزين لفرصة أخرى رغم أني قدمت دراسة مفصلة لمعالجة وضع الهجرة في محاضرة موضوعية مفصلة في بلدة مزيارة منذ أربع سنوات.
وفي سبيل التعلم كان يعاني أبناؤها فقدان المدارس رغم أن بعضهم كان يقطع بضع كيلومترات للوصول إلى مدرسته في الشتاء والصيف.
وكان من المقرر أن تبنى ثمانون مدرسة في الجنوب خلال الخمس سنوات التي انتهت في سنة سبعين شرط تقديم كل قرية أرضا مناسبة لوزارة التربية الوطنية. ونفذوا الشروط وتنازلنا في بعض القرى عن الأوقاف مقابل ايجار رمزي ومرت السنوات الخمس ولم تكن النتيجة سوى نصف مدرسة.
وفي كثير من القرى تسمى غرف متباعدة مستأجرة من قبل أهل القرية مدرسة ناهيك عن التجهيزات غير اللائقة.
وكانت المدارس الخاصة في المناطق وفي بيروت وبنتيجة عدم توفر المال اللازم كانت ولم تزل المستويات منخفضة رغم جهاد أصحابها وجهودهم.
والآن وأمام حلم تجميع المدراس فاننا نشعر بكل صراحة ودون عقدة أن مستقبل أبنائنا مهدد ومستواهم الدراسي في الأغلب غير متناسب مع طموح اللبنانيين.
أما عن الموظفين وحرمانهم من حقوقهم ومن مراكز مرموقة ومن عدم اعتماد المسؤولين على الكفاءات بل على المحسوبيات فحدث ولا حرج حيث أننا نشعر بتصنيف فاضح واحتقار في هذا المجال الحيوي جدا، هذا المجال الذي يشكل مفتاحا لمختلف مجالات التنمية والخدمات.
إن الدراسة الصحيحة التي كانت من المقرر أن تقدم في هذا اليوم أصبحت مستحيلة حيث امتنع مجلس الخدمة المدنية من تزويدنا بها رغم أن قانون تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ينص على صلاحية المجلس للمراقبة، وقد بقيت رسالة المجلس الموجهة إلى مجلس الخدمة بتاريخ 24/ 12 /72 بلا جواب بانتظار موافقة رئيس مجلس الوزراء.
ولكن في حدود المعلومات المتجمعة لدينا تبلغ نسبة الحرمان في الفئة الثانية 63 بالمئة وفي الفئة الثالثة 88 بالمئة والوضع في المؤسسات التابعة للدولة والشركات المتأثرة بمراقبتها أمر وأدهى.

أما في الفئة الأولى فقد صدرت تشكيلات مؤخرا أعطت من حيث الكمية نسبة عالية للطائفة ولكنها غير كافية وهي تعالج الدوائر الحكومية فقط دون المصالح المستقلة والمؤسسات العامة والتابعة، ودون أجهزة الأمن كالجيش وقوى الأمن، ودون المحافظات.
يبقى حقل العلماء الاختصاصيين من أبنائنا فهو في محنة مشتركة وفي مصيبة عامة فلا مجال للكفاءات إذا لم تسخر لرغبات الإقطاع، وها نحن نجد أمام أعيننا خيرة شبابنا الذين استهلكت دراساتهم العالية حياة أهلهم وآمال السنوات يتركون الوطن واحدا تلو الاخر لانهم يرون قسوة الامل في البلاد بل الغربة في الوطن أمر وأصعب.
مر ربع قرن من عهد الاستقلال وفي إطار النظام الطائفي الديمقراطي، وأعيد النظر في الوضع الاجتماعي والسياسي والثقافي من قبل بعض أهل الرأي من أبناء الطائفة الإسلامية الشيعية، وكانت النتائج تؤكد أن التفاوت بين أبناء وطن واحد قد ازداد وان العدالة لم تزل حلما يدغدغ الخيال.
فقالوا إن السبب هو غياب الطائفة عن مسرح الأحداث وعن مائدة الخبرات والوظائف والموازنات؟
وقالوا إن النواب يمثلون مناطقهم رغم انتخابهم الطائفي، والمناطق اللبنانية مختلطة، وان النواب يمثلون بعد الانتخاب الوطن كله في النظام البرلماني.
وقالوا أن الطوائف الأخرى كل منها تتمثل بمجلس مركزي أعلى يمثلها وأن الشيعة بحاجة إلى مجلس أعلى لكي تعالج هذا التصنيف الطائفي.
وقالوا إن الذين كانوا ينادون بتأسيس مثل هذه المؤسسة كانوا على حق.
وبعد بحث طويل وصراع مرير ورفض الطوائف عروض تأسيس مجلس واحد مشترك ولد المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى بعد مخاض عسير وفي 17 ايار 1996. وهذه المؤسسة تأسست تحت ضغط الناس، مظاهرات الناس، برقيات الناس، لذلك فإن واقع هذه المؤسسة هو تجسيد دماء الناس، وآمال الناس، وآلام الناس، وطموحات الناس.
وعانى منذ ولادته الصعوبات من الداخل واتهامات من الخارج وظروفا وطنية لا ننساها، راجيا عدم عودتها، حين بقي البلد سبعة أشهر بدون وزارة.
ولد المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مبتور الصلاحيات، فاقد الموازنة، مطعونا في نظامه الداخلي، مجمد الصلاحيات حتى اليوم في أدراج مجلس النواب وهو لم يزل في طور التأسيس يشق طريق المجهول بصعوبة، يعود نفسه وطائفته على الاقتناع بوجوده وببقائه وبإبعاد صلاحياته، مكتوف اليدين لا يمكنه ان يتصرف في الاوقاف ولا في الشؤون الدينية ورجالها، تعصف به الرياح من هنا وهناك، يحس بتناقضات ومطامع من الداخل وبالاغراءات والاضطهاد من الخارج. مع ذلك كله " والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه " استمر في الجهد والبناء والاحصاء والتجول والتحرك وقد سمعتم في تقرير الامين العام بعضا من نشاطاته حتى يمكننا القول انه نجح متحديا في حقول اربعة من واجباته الخمس وهي: تنسيق جزئي لطاقات أبنائه، تنظيم لعلاقات الطائفة مع الطوائف الشقيقة اللبنانية، تصحيح علاقات الطائفة مع أبنائها في الخارج، والمساهمة الذاتية في رفع مستوى أبنائه في ميادين الثقافة والتربية وتعليم المهن وإبراز وجهها الحقيقي للمواطنين وللعالم وفي المشاركات الوطنية والقومية.
أما في حقوق الطائفة في الوظائف والمناطق فعلى الرغم من ان الدراسات والاحصاءات أكدت مزيدا من الحرمان المعروف، وعلى الرغم من جهد سنوات أربع في الدراسة والمطالبة والإصرار والمقابلات والوعود والإعترافات والمحاضرات وتشكيل لجان المتابعة وغيرها. على الرغم من كل ذلك، لم يتمكن المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى بهذه الوسائل من أن يخطو خطوة واحدة في سبيل تحسين الوضع رغم أن هذه المهمة هي أولى مهماته وأنها الغاية الأصلية من وجوده.
لم يتمكن مجلسنا من العمل ـ باستثناء ما سمعتم عن الاضراب المؤدي الى تأسيس مجلس الجنوب والذي استعمل فيه الاسلوب الاخر ـ ونتيجة عدم تمكنه بدا اليأس على ابناء الطائفة وبدأ يذوب المجلس ويتجمد وكان معرضا لان يصبح مؤسسة شكلية تزين مجالس الحكم وتكمل زينة البلاد والطقوس الفارغة التي تخدر أحيانا وتغضب المحرومين دائما.
وفي بداية السنة الخامسة من عمر المجلس أي في ايار 1973 وبعد مرور تجربة فاشلة عمرها أربع سنوات وبعد اقتناع أعضاء المجلس ورئيسه واقتناع الطائفة بعدم نجاح المطالبة والإلحاح والمقابلات والإحصاءات ومناشدة الضمائر وتحت ضغط من الإيمان والضمير ونداء من الوطن ومطالبة من المحرومين، ولدت حركة المطالبة بأسلوبها الجديد. تلك الحركة التي نعيش اليوم مراحلها الحاسمة الفاصلة والتي كانت في الاساس حركة المطالبة بحقوق ابناء الطائفة في الوظائف وبعمران المناطق التي يقطنها أكثرية أبنائها ثم تحولت إلى حركة المطالبة بحقوق المحرومين.
إن هذه الحركة بدأت في الجلسة التاريخيةالتي انعقدت للهيئتين الشرعية والتنفيذية في 22 حزيران 1973 ووضعت فيها الوثيقة المشهورة التي بموجبها التزمت الاكثرية الساحقة من نواب الطائفة بالتخلي عن الحكومة اذا لم تتحقق مطالب الطائفة خلال أربعة أشهر من تاريخ نيل الثقة.
وكان من الواضح أن الأسلوب السياسي إذا تم سيضع حداً قاطعاً للمشكلة حيث أن الحكم في لبنان مشاركة ولا حكومة دون إشتراك الشيعة فيها وأن كل حكومة تسقط إذا سحب نواب الشيعة ثقتهم منها.


مطالب المحرومين:

ولكن الخطة السياسية هذه أجلت أو تعثرت لأسباب معروفة فلم يبق أمامنا الا اسلوب المطالبة الضاغط ولو استدعى ذللك بعض العنف. فعدنا إلى العاشوراء وقد كان شباط 1974 يصادف عاشوراء 1393 هـ واجتمعنا في جلسة أخرى يوم 8 شباط 1974 حيث وضعت تفاصيل المطالب وهي:
1 ـ في حقل الوظائف العامة: وعلى أساس العدالة التي يؤكدها الدستور نجد أن الطائفة الشيعية تشغل في الوقت الحاضر، وفي الفئة الأولى، على سبيل المثال، تسعة عشر مركزا من أصل استحقاقها البالغ ثلاثين مركزا.
هذا مع العلم أن الطائفة محرومة من أي مركز في الوظائف العليا الإدارية والقضائية بالإضافة إلى الحيف اللاحق بها في مراكز الجيش وقوى الأمن الداخلي، فضلا عن رؤساء كل مجالس إدارات الدولة.
إن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يطالب بإنصاف الطائفة الشيعية بشكل سريع عن طريق تعيين أصحاب الكفاءات من أبناء هذه الطائفة في أحد عشر مركزا من مراكز الفئة الاولى.
2 ـ بالنسبة الى نوعية المراكز يرفض المجلس تصنيف المواطنين طائفيا ويؤكد بقوة مطالب القائلين برفض طائفية الوظيفة وضرورة تبادلها بين مختلف الطوائف حسب كفاءاتهم.
3 ـ ان مسألة الدفاع عن حدود الوطن وعن سلامة المواطنين في أرجاء البلاد هي المسؤولية الأولى للسلطات، وفي هذا الحقل يحتج المجلس على إهمال قضية الدفاع عن جنوب لبنان ولا يمكنه القبول بأعذار ومبررات غير صحيحة أو غير كافية.
4 ـ إن الألوف من المواطنين في مناطق بعلبك ـ الهرمل وفي الشمال وفي مناطق أخرى لا يملكون بطاقة هوية لبنانية وبالتالي يحرمون من كافة حقوق المواطنية. إن هؤلاء لا يمكن التشكيك في لبنانيتهم ولا في ولائهم الوطني ولكن ظروفهم الحياتية وسكناهم في مناطق نائية جعلتهم من المكتومين والمعلقين.
5 ـ في حقل الإنماء: يؤكد المجلس على ضرورة تنفيذ مشاريع انمائية في المناطق المحرومة والمتخلفة وذلك عن طريق قوانين وبرامج ولحظ اعتمادات في الموازنة العامة لكي تصبح المناطق اللبنانية متقاربة المستوى ويطلب المجلس في هذا المجال تحقيق ما يلي:
ـ تنفيذ مشروع ري الجنوب من مياه الليطاني وذلك بإنهاء الجدل حول منسوب المياه واعتماد الدراسات الدقيقة التي وضعت بهذا الخصوص.
ـ إصدار التشريعات اللازمة لتأمين اعتمادات التنفيذ.
ـ إلغاء جر مياه الليطاني الى مدينة بيروت والاستعانة بمياه نهر بيروت ونهر ابراهيم.
ـ وإعتبار مشروع الليطاني مشروعا وطنيا اجتماعيا الى جانب كونه ذا صفة اقتصادية.
6 ـ تنفيذ المشروع الجاهز للبحيرات الاصطناعية الذي يروي الاراضي الواقعة في قضائي صور وبنت جبيل ( مثلث يارين ـ كفرا ـ يارون ) والتي لن تستفيد من مشروع الليطاني.
7 ـ تنفيذ مشروع القاع ـ الهرمل من الاعتمادات المرصودة منذ عام 1962 وإصدار التشريع اللازم لتأمين الاعتمادات اللازمة لإنهاء شبكات الري في المرحلة الاولى وضخ المياه في المرحلة الثانية بحيث يتم تأمين ري سبعة الاف هكتار.
انشاء عمليات الضم والفرز بحيث تنتهي مع نهاية تنفيذ المشروع للتمكن من الافادة منه بصورة صحيحة
8 ـ لحظ الاعتمادات اللازمة لانشاء الخزان الواجب تنفيذه في بحيرة اليمونة القديمة لتأمين ري اربعة الاف هكتار اضافية مع ما يلزم من اعتمادات لاتمام شبكات الري في الاراضي الواقعة بين دير الاحمر ـ الكنيسة حتى شمسطار.
9 ـ تنفيذ مشروع انشاء السدود في نحلة ـ وادي سباط ـ جنتا ـ يحفوفا ـ شمسطار، ومشروع ري سهل بعلبك من مياه رأس العين، وري الاراضي من حوش تل صفية وايعات من مياه نبع عدوس، ومشروع منخفض عيحا، ومشروع ري مرجحين ـ جباب الحمر من عيون أرغش، ومشروع مياه اللبوة، وتقويم مجرى الليطاني في أراضي حوش الرافقة ـ بدنايل ـ تمنين التحتا، وتزويد مدينة بعلبك بمياه نبع البغل ونبع اللجوج.
10 ـ عطاء الاولوية في انشاء المدارس الرسمية والمهنية ودور المعلمين والمعلمات في الجنوب والبقاع وعكار وعدم اللجوء الى تمرير المشاريع المدرسية في المناطق المتقدمة تدريجيا كما هو الحال الان.
11 ـ نشاء المستشفيات والمراكز الصحية في المناطق المحرومة وتحسين وضع مستشفى الهرمل وتخصيص الأموال الموجودة في مصلحة التعمير لانشاء شبكات المجارير في تلك المناطق وذلك بموجب قوانين نافذة تمنع التصرف الكيفي بأموال مصلحة التعمير.
12 ـ نفيذ مشروع اوتوستراد بيروت ـ صيدا ـ صور ـ واتوستراد بيروت شتورا ـ بعلبك ـ الحدود السورية وتنفيذ مشروع طرق القرى المحرومة.
13 ـ صحيح أوضاع مزارعي التبغ وانهاء المأساة.
14 ـ يادة اعتمادات المشروع الاخضر ووضع قانون لاعطاء الاولوية للمناطق المحرومة.
15 ـ نماء الثروة الحيوانية وتعميم المشاتل الزراعية وتصنيع الزراعة وانشاء مصانع لتأمين تصريف المنتوجات الزراعية بعد تصنيعها.
16 ـ صد الاعتمادات اللازمة لانهاء التنقيب عن الاثار في مدينتي بعلبك وصور خلال مدة عشر سنوات وانشاء فندق سياحي في بعلبك مع مشاريع سياحية في كافة المناطق الاثرية.
17 ـ راسة شاملة للمناجم في مختلف المناطق وبصورة خاصة النفط الذي تؤكد الدراسات وجوده في لبنان.
18 ـ صحيح قانون توزيع اموال البلديات بحيث يؤمن العدالة والازدهار لمختلف البلدات اللبنانية.
19 ـ فو عام عن مخالفات البناء لكي يتمكن سكان ضواحي بيروت وغيرهم من الاستفادة من المياه والكهرباء.
20 ـ صحيح أوضاع ضواحي بيروت وبصورة خاصة الكرنتينا والنهر وحي السلم وبرج حمود وتل الزعتر وبرج البراجنة.

هكذا وبكل أصالة ومنطقية ومن خلال الواقع الموضوعي للطائفة في لبنان ولدت حركة المحرومين.
علينا أن نفهم ونغير الواقع العربي تجاه الشيعة لان القوة في لبنان تتعدل نتيجة للضغط العربي، واضح أن المعادلات العربية في القوة تنعكس على لبنان. ومع الأسف، الشيعة لم يكن عندهم أي عنصر ضغط عربي. العالم العربي خلال التاريخ بدا محجوبا عن التفاعل مع ابناء الطائفة بسبب حملة الاضطهاد الرسمي والشعبي التي كانت تتعرض لها.
نحن في المادة الثالثة، يعني في، التراث ووضع الطائفة الشيعية، سنتكلم ان لماذا هذا الهجوم. ذلك لانهم كانوا أقلية عقائدية، وهذه الاقلية كانت خطرة على الحكم. العالم العربي كان بأكثريته ينظر ويشك بسلامة موقع الشيعة، ويعتبره كما يصف الكاتب المصري الكبير الأستاذ أحمد أمين في كتابه " ضحى الاسلام " إذ يقول: " الحق أن الشيعة ملجأ يلجأ إليه كل من يريد هدم الإسلام ". هذا رأي العالم العربي فينا، وهو نتيجة للدس والتضليل الذي تعرض له الشيعة عبر التاريخ. يجب ان لا نشعر بأية حساسية إطلاقا يجب أن نصحح الصورة نحن نقول إن العالم العربي لم يكن يشكل ضغطا إيجابيا لمصلحتنا.
طبعا، نحن بدأنا نبذل جهودا لأن تفاعل الوضع العربي مع القوى في لبنان ينعكس على واقعنا الاجتماعي. منذ تأسيس المجلس، والذي هو أول مؤسسة رسمية، بدأنا بالرحلات والاتصالات والاعلام والمشاركة في المؤتمرات، والتعاون الوثيق هنا مع الطائفة الاسلامية السنية. ومع ذلك، العالم العربي كان قليل التعاطف والتفاعل مع الشيعة مما يزيد في المحنة ويقلل من قوة الموقف، وكان ينظر بحذر شديد إلى حركة المحرومين التي أعلنت مرات أنها حركة لا طائفية. وسنرى في الفصل القادم أن واقع الطائفة العقائدي والتراثي يؤكد التزامها التام بإسلاميتها، وبكونها طليعة النضال والحركة لخدمة الاسلام. اما البحث عن عروبة الشيعة فهذا بحث طويل، حول أن الشيعة ليسوا عربا بل من ايران، موضع إهتمام ورد وجدل، ومستشرقون مثل ( لامنس ) وغيره اشتركوا حتى يدسوا ويخلقوا صراعات داخلية لأنهم كانوا مكلفين بتعميق الهوة بين المسلمين.
هذا البحث أصبح واضحا اليوم بعد الدراسات التي وضعت مؤخرا، وخاصة محمد علي مكي وتثبت أن الشيعة في التزاماتهم يفوقون الاخرين، والإشارة إلى ما جاء على لسان أحمد أمين وما جاء في كتاب الشيخ صبحي الصالح " النظم الاسلامية " حول الشيعة تحت عنوان الطوائف الناقمة على الإسلام وغيرها من التهجمات إنما المقصود بها أن تذكر أننا نحن طليعة المسلمين وأننا أخوة وأن العالم العربي نتيجة التظليل الذي مر فيه كان ينظر إلينا بشك والحمدالله الذي لا يحمد على مكروه سواه فنحن لا نريد أن نشعر بحساسية إطلاقا". هم مظللون علينا أن نصحح الصورة ولكن بالإختصار أن العالم العربي لم يكن يشكل ضغطا" إيجابيا" لمصلحتنا.
إذا"، في بحثنا اليوم، قرأنا موضوعين: الواقع الاجتماعي والسياسي في لبنان، والواقع الاجتماعي والسياسي للشيعة في لبنان والعالم العربي.
أمامنا نقطتان: العوامل التاريخية والعقائدية عند الشيعة، ودور القيادة.
مع دراسة هذين الموضوعين تكتمل الصورة وظروف النشأة لحركة المحرومين، أي، بداية نشأتها طبعا. نحن الان نسلم هاتين المحاضرتين للجنة الثقافية المركزية للطبع والتوزيع وكما ذكرت قراءة ودراسة هذه المواد إلزامية لشباب الحركة. وبنفس الوقت، في المناقشات التي تجري في الخلايا وفي صفوف الكوادر. طبعا، يلخص المسؤول المناقشات ويرسلها إلى اللجنة الثقافية المركزية حتى تتحول بدورها إلى مكتب العقيدة والثقافة.




القسم الثالث: العوامل التاريخية والعقائدية عند الشيعة



أولاً ـ التشيع رؤية وسلوك:
ان التشيع في تصور الكثير من الناس هو مذهب فقهي يقابل المذاهب الفقهية الاسلامية، او مذهب كلامي رديف لمذهب المعتزلة والاشاعرة، او هو موقف سياسي ناتج عن الاراء العائدة الى الخلافة الاسلامية بعد رسول الله (ص).
والحقيقة ان التشيع هو رؤية وسلوك إسلاميين بيّنهما الائمة من آل البيت واتباعهم، يتجاوز في أبعاده الإجتهادات الفقهية أو الآراء الكلامية والمواقف السياسية، وإن كانت هذه الأبعاد من نتائج تلك الرؤية والسلوك.
وأول من لفظ كلمة التشيع واستعملها هو الرسول الاكرم حيث قال: " يا علي ستدخل أنت وشيعتك على الله راضيين مرضين ". وكان شيعة علي في عصر الرسول كبار أصحاب الرسول من بينهم فاطمة بنت الرسول وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وغيرهم.
وبإمكاننا أن نخص الرؤية هذه بالرؤية الملتزمة المتطورة التي اصبحت في ما بعد مبدأ الاجتهاد في الدور الديني. كما يمكن تفسير السلوك المشار إليه بأنه التفاني في سبيل خدمة الأمة وتحمل الشقاء وبذل التضحيات دون الجنوح نحو الفئوية والاستئثار.
وبذلك نتمكن ان نعتبر التشيع لعلي في ينابيعه هو رؤية الطليعة المناضلة وسلوك الرواد، وبتعبير آخر انه محاولة الاحتفاظ بالاسلام بوصفه حركة لا مؤسسة ذات مصالح ومنافع ذاتية.
وقد برز بعد وفاة الرسول موقف محدد من علي وشيعته وهو أنهم أصروا على ضرورة تعيين خليفة الرسول بالنص الديني لا بالاختيار والتعيين، واعتبروا أن هذه المهمة؛ وهي بناء المجتمع الجديد على ضوء القيم والمفاهيم الاسلامية والذي بدأ ببنائه الرسول نفسه، إن هذه المهمة تبلغ من الدقة درجة لا يمكن تفويضها إلى الناس وهم في بداية إسلامهم. ذلك لأن تطبيق المبادىء للمرة الاولى بصورة يسمو على المصالح الذاتية وعلى الآراء المختلفة، هو مسألة بالغة الخطورة والتأثير على واقع الاسلام وعلى التاريخ.
سيما وأن الرسول قد أعلن عند عودته من حجة الوداع وفي مكان الجحفة، مفترق طرق الحجاج، وفي اليوم الثامن عشرمن ذي الحجة، أعلن عن ولاية علي بعد أن بلغ الامة بقرب وفاته وبعد ان اشهدهم على ولايته التي وردت في القرآن في الآية: " النبي أولى بالمؤمنين من انفسهم ". [ الأحزاب /6 ].
وبالرغم من هذا الموقف الأساسي فإن عليا وشيعته بعد الإعلان عن موقفهم لاحظوا خطورة الوضع وحداثة عهد الناس بالاسلام وإمكانية إنفجار المجتمع الجديد فوقفوا مع الخلفاء مؤيدين، ناصحين، مدافعين عن النظام، وأمدوا الأمة بما كان عندهم من روايات نبوية، واجتهادات ومواقف، وكانوا في صميم المجتمع الاسلامي غير منفصلين ولا متربصين ولا شامتين، حتى أصبح القول المأثور عن أحد الخلفاء الراشدين " لاأبقاني الله لمعضلة وليس أبو الحسن " أصبح مثلا.
وإستمر الائمة من آل البيت في هذا الخط يصونون الاسلام بمواقفهم التي كانت تتنوع حسب مواقف الخلفاء وحسب استجابة الأمة. فالحسن بن علي الذي صالح معاوية، وعلي بن الحسين، الملقب بالسجاد وهو الامام الرابع من ائمة الشيعة، لم يستمرا في الثورة المسلحة بل كانا يعلنان عن الأحكام الإسلامية وعن الإنحرافات الرسمية بأساليب هادفة، تربوية، ودعائية وغيرها، وكانا يحافظان على الإسلام ويحميانه.
أما الحسين بن علي فقد خرج ثائرا لكي يدين الانحرافات الخطيرة التي كان يمارسها يزيد بن معاوية، والتي كانت تهدد الكيان وتشوه حقائق الاسلام.
وكانت الظروف ملائمة للتوعية والتعليم وتربية المجتهدين وتطوير الفكر الاسلامي في أواخر القرن الأول الهجري إلى أواسط القرن الثاني مجالا رحبا للصادقين، الإمام محمد الباقر والإمام جعفر الصادق، حيث كان الخلفاء الأمويون ملتهين بمشاكلهم الداخلية وبصراعهم مع العباسيين، وحيث التقى المجتمع الاسلامي بالمجتمعات الأخرى فوجد نفسه أمام آلاف من الأسئلة والمواضيع الجديدة، وكان بحاجة ملحة إلى قيادة فكرية أصيلة متطورة.
والتعاليم التي حفظت عن الإمامين والتي جعلت الصفة التابعة للشيعة بالجعفريين ليست مختصة بالفقه بل إنها تشمل طريقة فهم القرآن والأصالة والإيديولوجية في المسائل الأصولية أمام التيارات الفكرية التي تأثرت بالفكر الإغريقي أو غيره، كما أنها تحتوي على التوجيه العلمي في مختلف الحقول، وعلى الإنفتاح تجاه الثقافات مع حفظ الأصالة. وقضى موسى بن جعفر حياته بين نفي وسجن واضطهاد ولكنه بقي ينصح ويطرح الصورة الصحيحة للاسلام تماما" مثل إبنيه الرضا والجواد اللذين عاشا مضطهدين بالقرب من الخلفاء، ومثل حفيديه الهادي والعسكري اللذين بقيا سنين مسجونين في ثكنة العسكر.

ثانياً ـ الشيعة طليعة الأمة لا فئوية ولا مذهبية:
وفي جميع الروايات الواردة عن الباقر والصادق وعن غيرهما من الائمة الاثني عشر تشكل كلماتهم وسرهم مصدرا واسعا من مصادر التشيع يظهر الإلتزام الإسلامي العام وأن ما يقولونه مروي عن الرسول، ولا يشعر الباحث عنها إطلاقا، برائحة الفئوية المذهبية والإنفصال عن الأمة، بل أنهم كثيرا ما كانوا ينتقدون موقف بعض القادة من خلفاء وعلماء بسبب التفرد وعدم الإنسجام مع ما ورد في الكتاب والسنة.
أما علماء الشيعة المجتهدون والإختصاصيون في مختلف العلوم الإسلامية فإنهم كانوا يبذلون قصارى جهدهم لكي ينقلوا بأمانة ما ورد في تفسير القرآن والسنة، وما نقل اليهم من تعاليم الائمة الاثني ويرفضون الإجتهاد في مقابل النص، بل يجتهدون ضمن الاطار العام للاحكام والمبادىء الاسلامية.
وقد رفض السيد " الرضي " قدس الله سره، ـ الرضي والمرتضى أخوان من كبار العلماء ـ أحد كبار علماء الشيعة في أواسط القرن الرابع، رفض اعتماد ركن خاص بالمذهب في الكعبة أو في المسجد الحرام عندما تقرر تحديد أماكن خاصة للمذاهب الأربعة الأخرى هناك. رفض السيد ذلك رغم مكانته الكبيرة وقربه من الحاكم. فالحاكم كان يريد تصنيف المذاهب الإسلامية. نحن الآن لا نشاهد ذلك ولكن سابقا كان هناك محراب يسمى المحراب المالكي، المحراب الشافعي، المحراب الحنفي، والمحراب الحنبلي، وكان أئمة المذاهب يصلون هناك. إذا"، طلب من " الرضي " ان يقام محراب باسم المحراب الجعفري فرفض.
الآن، أنا أسمع كثيرا من الخطباء الشيعة يقولون أن السبب يعود إلى عدم توفر المبلغ المطلوب، اذ دفع السيد الرضي النصف وطلب النصف الآخر من أغنياء الشيعة فخذلوه، ولو كانوا قد دفعوا لكان المذهب الشيعي الآن مذهبا رسميا. هذا الإدعاء في رأينا غير وارد، فالسيد الرضي لا يوضع في نفس المكان مع الآخرين الذين يكرسون المذهبية الفعلية. الاسلام واحد ونحن روايتنا إسلام، فكتب الحديث المعتمدة عند الشيعة مليئة بالنقل عن صحابة النبي وعن كبار رواة المذاهب الأخرى مشروطا بالوثوق والدقة في النقل.
هذا هو الخط الأساس عند الشيعة خلال التاريخ الطويل ورغم ما عانوه من مصاعب قل أن عاناها غيرهم في العالم.
إذا"، مهما فعلوا بنا كشيعة نحن في خدمة المسلمين جميعا، لسنا فئويين، فنحن طليعة المسلمين، نموت لأجل الجميع وليس لأجلنا نحن ـ هذا هو السلوك التاريخي الشيعي. هكذا انا افهم التشيع. اما مذهب لهذا او فئة لهذا لها مصالح وتنظيمات خاصة فليس هناك شيء من هذا. هذا التاريخ، هذا الملهم لنا في حركة المحرومين.
من الطبيعي أن يكون هناك مواقف وآراء تختلف عن هذا الخط العام سيما بعد القرن العاشر الهجري ـ عصر الانحطاط. كثير من الكتب والخطب والمواقف والعادات عند الشيعة كان في مقام رد فعل والرد العاطفي على الاضطهاد العنيف الذي كان يمارس ضدهم.
اليوم يؤخذ علينا كشيعة أن لماذا نسب الخلفاء، نسب أصحاب الرسول.
نقول لهم أن السب ليس جزءا من مذهبنا، إنه مرفوض: الامام علي (ع) سمع جماعة من جيشه يسبون " معاوية " فقال لهم: لا أحبكم قوما سبابين.
السب مرفوض. المذهب الشيعي يرفض سب الخلفاء والاصحاب ولعنهم. ولكن تفسير ما حصل هو ان هذا كان ردا لان معاوية فرض على جميع خطباء الجمعة في العالم ان يلعنوا علي بن ابي طالب على المنابر يوم الجمعة، والصيغة معروفة فكانوا يقولون: اللهم إن أبا تراب قد ألحد في دينك فالعنه لعنا وبيلا.
عمر بن عبد العزيز حذف الفقرة ووضع مكانها: ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر. وهذا حتى الان موجود.
إذا"، تفسير ان اجدادنا كانوا يسبون يعود الى أن الشيعة تعرضوا للضغط، الدفاع كان بحاجة الى بارود والسب كان بمثابة البارود، هذه كانت " شوكة " الشيعة في التاريخ وليس جزءا من المذهب. وعند اللحظة التي تتفهم الامة هذا الواقع فبإمكان علماء الدين أن يحرموها إذ ليست جزءا من الدين أبدا.
والسؤال لماذا هذه الضغوط على الشيعة؟
السبب الأساسي لهذه الضغوط الرسمية على الشيعة في التاريخ، هو ان الشيعة كانوا اقلية خطرة، اقلية عقائدية تعتمد على رؤية إيديولوجية لا تقر بالولاء للخلافة وكان الشيعة يعتبرون أن التعاون مع الحاكم ذل وظلمة ولذلك نجد تعاليم الأئمة وفتاوى الفقهاء مليئة بالإعلان عن مواقف صريحة تجاه الحكم المنحرف والظالم وإن الواجب التصدي له بصورة لا تعرض الأمة للخطر. وهذا كان يشكل خطراً على الأنظمة، ولذلك قتلوهم، سبوهم، نفوهم، حبسوهم، أفقروهم، وشوهوا طريقهم وتاريخهم. وحتى اليوم، في القرن العشرين، وأينما توجهت في العالم العربي يبادرون الشيعة بالقول: انتم تسبون الخلفاء، انتم تؤلهون آل البيت... طبعا، هذا تشويه عقائدي في التاريخ، ونريد أن نوضح هذا الأساس.

ثالثاً ـ مواصفات التشيع:
إذا"، التشيع رؤية إسلامية صافية، وسلوك اسلامي صاف يجعلان من الشيعة طليعة الأمة. وإذا كان المطلوب أن يسمى التشيع مذهبا، فإن المطلوب أيضا" أن نعطي كلمة " المذهب " حجمه الحقيقي
ماذا يعني مذهب؟ يعني " طريق ".
" مذهب " مفعل من ذهب، ويذهب. مذهب اسم مكان، مكان الذهاب. إذا"، التشيع مذهب للطريق ـ طريق الاسلام. الاساس والدين هو الاسلام، وعند ذلك فإننا نقدر أن نذكر المواصفات العامة له في النقاط التالية:

1 ـ الولاية:
لقد ذكرنا أن الرسول كان له دور الرسالة: إبلاغ أحكام الله، ودور الولاية: تنفيذ أحكام الله. هذا الدور أنيط بـ " علي " الذي كان يضطلع به وكان يسعى لاقامة حكم صالح هذا مفهوم الولاية في الفترة الأولى من تاريخ الأمة. أما الآن فإن مفهومها هو السعي لإقامة حكم صالح من أجل بناء مجتمع صالح، حكم يكون في الخط الذي سار عليه علي. ونذكر في هذه المحاضرة نماذج من كلمات الإمام: " ألا وإن إمامكم قد ارتضى من دنياكم بطمريه ومن طعامه بقرصيه " وأمثال ذلك. فالمطلوب التوجه نحو سلوكه الذي حدد مفهومه للحاكم ومسؤوليته بقوله: أأقنع من نفسي أن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟
إذا"، الميزة الاولى: الولاية.

2 ـ النزاهة التامة في القائد الامام:
عند الشيعة، الامام الذي هو مصدر الشريعة، معصوم. والقاضي والمجتهد وإمام الجماعة والبلد والشاهد يجب أن يكونوا عدولا. أما الحاكم فيجب أن يكون في درجة عالية من العدالة. والناس جميعا مدعوون لأن يبلغوا درجة التقوى.

3 ـ مسؤولية القائد لا حدود لها:
هذه المسؤولية تبدأ برعاية مصالح الناس بدقة متناهية حتى أنه اذا كان في مركز السلطة يجب عليه أن يعيش في مستوى أقل من أفراد شعبه كما يقول علي: " أأبيت مبطانا وحولي بطون غرثى واكباد حرى ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع ". وقد سبق ما يؤكد هذا الامر.
المسؤولية تبدأ بالرعاية عندما يكون القائد في مركز السلطة، وإلا فعليه صيانة مصالح الناس بالتضحية والاصرار وبمختلف وسائل الضغط حتى يبلغ درجة التضحية والاستشهاد. والمبدأ الثابت ينفي إسلام من لم يهتم بشؤون الأمة الحياتية فالرسول يقول: " من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم ".
هذه المسؤولية لا تختص بمن يسمى قائدا ولخدمة الآخرين بل ان الانسان مسؤول بمقدار وعيه وحسب امكاناته: " كلكم راع وكلكم مسؤول ".
ان مسؤولية الواعي من الشعب او حسب المصطلح، مسؤولية المثقفين، مسؤولية الكوادر تصحيح أوضاع الناس.

4 ـ مصادر اكتشاف الاسلام وأحكامه: مصادر التشريع هي: القرآن، وسنة النبي التي هي قوله وسلوكه وإقراره، والإجماع والعقل.
هذه المبادىء الأربعة مشتركة في أساسها بين المسلمين عامة. فما هي الفروق؟
يمتاز التشيع باعتماد أحاديث الأئمة المعصومين من آل البيت، مقابل اعتماد الصحابة على أحاديث وأقوال لأصحاب الرسول جميعا.
إذا"، كيف نفهم أن هذا حلال وهذا حرام، هذا واجب، هذا صحيح، هذا باطل..؟ مصادر التشريع التي هي القرآن والسنة والعقل والاجماع هي متفق عليها بين كل المسلمين. في حين أن الشيعة: بالإضافة إلى ذلك، يقولون: أقوال الأئمة، وإن السنة يقولون: أقوال الصحابة
ورغم تداخل هذا المصدر لأن قسما كبيرا من الصحابة نحن نعمل بقولهم وهم يعملون بقسم من اقوال الائمة، فإن وجود الائمة في الأجيال المتعاقبة. ـ اثني عشر جيلا ـ ساهم مساهمة كبرى في إغناء المصادر وتقديم التجارب في الفترات الثقافية والعقائدية الصعبة الدقيقة.
كما ذكرنا، المجتمع الاسلامي بدأ يتوسع: الحضارات العالمية والثقافات العالمية من اليونان والاسكندرية والعراق، وايران،.. دخلت المجتمع الاسلامي وهنا حصل التفاعل وكان لا بد من قيادة ثقافية. وقد نتج عن هذا الامر بقاء باب الاجتهاد مفتوحا لدى الشيعة. بينما بقاؤه كذلك لدى المسلمين الاخرين، بدليل قلة المصادر، كان يشكل خطرا كبيرا. فالصحابة عاشوا جيلين فقط، وغابوا عند الحاجة القصوى، اي عندما التقى المجتمع الاسلامي بالمجتمعات الاخرى ذات الثقافات والحضارات العريقة، وعندما وجد الانسان المسلم نفسه امام الاسئلة والمواضيع الجديدة، وعلى رغم المواضيع الجديدة، الشيعة كان عندهم ائمة، اي ان المصدر موجود.
اما عند غير الشيعة فالامام غير موجود والصحابة ماتوا فهم من جيل واحد كلهم، فما العمل؟ اعتمدوا القياس: حكم شبيه بحكم، موضوع شبيه بموضوع. استعملوه، وانتهى القياس فاعتمدوا المصالح المرسلة، ومع ذلك بقيت الحاجة الى اكتشاف الحكم تفرض على المجتهدين ما يصلح للتشريع. اي ان الحكم صار مثل التشريع، يعني ان العالم الديني اصبح مثل مجلس النواب يشرع اذ لم يكن هناك اكتشاف لحكم اسلامي فبرز الخطر عند الانقسام الشديد والتباين في الافكار فارتأى القادة سد هذا الباب فترة طويلة، فانسد باب الاجتهاد عند الاخرين، بينما بقي مفتوحا عند الشيعة، حتى العصور المتأخرة حيث إنفتحت أبواب الاجتهاد تدريجيا.

5 ـ الانفتاح:
يبقى بعض المعالم الاخرى في القسم الاخير من حديثنا، ولا بد من التأكيد ان الاجتهاد، وان كان مختصا في الفقه وفي فهم الاحاديث واستنباط الاحكام الا انه القى ظلالا واسعة على مختلف الشؤون الاسلامية عند الشيعة، وخلق ميزات حضارية معينة من جملتها مبدأ الانفتاح على المذاهب والاديان الاخرى، والشيعة يملكون في تراثهم شواهد كثيرة لذلك.

6 ـ رفض الحاكم الجائر:
وقد اثر مبدأ الولاية في رفض التشيع للحكام وللانظمة شبه الإسلامية، ويالتالي، في اعلان مواقفهم من الحكام وفي عدم الارتباط معهم وفي عدم الذوبان في الانظمة حتى في قضايا التمويل والموازنات. في البلاد الاسلامية الاخرى ترى ان الازهر او المؤسسات الدينية الاخرى جزء من النظام، الرئيس ينتخب بناء على اقتراح. الجهاز جزء من النظام.
بينما علماء الشيعة لم يكونوا ابدا جزءا من النظام خلال هذه الفترة ـ هذه الامور لها تأثير فيما نريد ان نبحث فيه بالنسبة لولادة الحركة ـ واعتمدوا في ادارة مؤسساتهم على الاوقاف قبل وضع يد الدول عليها وعلى الحقوق الشرعية ولم يسمحوا باعتبارها من الضرائب المقدمة الى الحاكم الاسلامي. فلذلك، ترى ان الشيعي يدفع الضريبة مرتين: سهم السادة وسهم الامام، والزكاة، والضريبة العامة التي يعطيها للدولة من حقوقه، وهذا بدوره ساعد في بقاء التشيع حركة لا مؤسسة الى وقت طويل. طبعا، في بعض البلاد، وفي بعض الازمان، صارت مؤسسة. ونحن عندما نرفض الحكام ليس لانهم غير شيعة وحتى لو كان شيعيا، فيجب ان يكون حكمه منطبقا على المبادىء العامة.

7 ـ الانتظار للمهدي:
لا بد من اضافة مبدأ الانتظار للمهدي ( عج ). انتظار المهدي المنتظر الامام الثاني عشر، من معالم ومواصفات هذا المذهب. وهذا المبدأ كان ينعكس على الناس باساس التهيؤ الدائم والامل الدائم والاستعداد، وهذان وحدهما حفظا التشيع في عصور الاضطهاد القاسي.
والمعروف ان الشيعة الامامية يعتقدون: ان الامام الثاني عشر وهو احد الائمة من آل البيت ومن نسل علي وفاطمة واسمه محمد وكنيته ابو القاسم سيظهر، وانه يملاء الارض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا.
ان المهدي هو الذي سيقود الناس الى المجتمع المثالي الذي يسود فيه العدل التام وتتوفر فيه الفرص للجميع وليس فيه مكان للظلم بأنواعه وللجهل والباطل.
وانتظار الظهور بمعنى التهيؤ والامل واجب مذهبي لدى الشيعة.

8 ـ التقليد:
وبعد حصول الغيبة الكبرى، أي عصر انقطاع الامة عن الائمة المعصومين، صدرت الاوامر المطاعة من الائمة بان واجب الناس الرجوع في كافة شؤونهم الدينية وفي المسائل المستحدثة الى الفقهاء المجتهدين العدول او حسب تعبير النص " من الفقهاء من كان صائنا لنفسه حافظا لدينه عاصيا لهواه مطيعا لأمر مولاه ".
وأصبح التقليد، أي متابعة المجتهد العادل في كافة الشؤون الحياتية أي في معرفة أحكامها، واجبا من واجبات الشيعي المكلف.
ويمكن ان يختار الانسان المؤمن طريق الاجتهاد الذي هو رغم مشقته مفتوح لكل شخص، وعند ذلك عليه ان يدرس ويتخصص في العلوم الاسلامية التي تمكنه من استنباط الاحكام من مصادرها التي اشرنا اليها.

9 ـ تاريخ وابناء:
وقبل ان ننهي المواصفات العامة للمذهب الشيعي، علينا ان نقف امام تاريخ هذا المذهب وابنائه حيث انه ايضا بحد ذاته يكمل الصورة المطلوبة:
انه تاريخ مليء بالاضطهاد والضغوط المتنوعة من قبل السلطات، وكان من ابشع انواعها وأشدها خطرا على الاسلام هي حملة التشويه الشاملة التي تعرضت الشيعة لها، والتي فرقت بين المسلمين وصورت المذاهب الاسلامية كأنها اديان وامم متعددة.
وفي المقابل كان موقف القادة من الشيعة الالتزام التام والحرص المطلق على مصالح المسلمين، وبنفس الوقت، الاصرار على التمسك بالاراء والسلوك حتى ولو ادى ذلك الى الاستشهاد. وهو في تاريخنا لا ينحصر في الائمة المعصومين بل يشمل الفئات والقبائل والشخصيات المعروفة، وهذا البحث بحد ذاته يتطلب كتبا مطولة لعلنا نتوفق بتقديم نماذج عنها للابحاث الثقافية.
والشيعة يحتفظون بهذه الذكريات، سيما ذكريات استشهاد الحسين والائمة المعصومين، ويقيمون حفلات بهذه المناسبات، ويستفيدون منها للتعليم والتربية لعامة الناس.
لقد برز في تاريخ العالم الاسلامي بعض الرجال الشيعة، وبعض الشيعة حكموا العالم الاسلامي او قسما منه لفترة طويلة او قصيرة، بالاضافة الى فترات الاضطهاد الطويل، ومن ابرزهم الفاطميون في مصر، والحمدانيون في سورية، والمرابطون في المغرب، والصفوية في ايران وغيرهم.
عدد افراد الشيعة الان في العالم يبلغ حوالي مائة مليون يسكنون ايران والعراق والجنوب الغربي من الاتحاد السوفياتي: اذربيجان، ارمينيا، جورجيا والافغان والهند وباكستان والصين وتركية وسورية ولبنان والخليج العربي والقسم الشرقي من المملكة العربية السعودية واليمن وعمان.
وابرز جامعاتهم الدينية في الوقت الحاضر هي في العراق وايران، ولهم مؤسسات ثقافية ومكتبات كبرى وغير ذلك، ويعيش كبير علمائهم " المرجع " في الوقت الحاضر في جامعة النجف الاشرف بالعراق بينما كان المرجع منذ فترة قصيرة يعيش في جامعة " قم " ايران.
هذا يا اخوان ما حكيناه في هذا البحث والذي سيطبع. بالنسبة للحلقات خلاصة من الرؤية العامة عن الشيعة.
نحن امام البند الرابع ـ دور القيادة.
في الواقع، انا في حرج عظيم ان اكتب هذا البحث وان يبقى الامر غير مطروق. نحن قلنا ان الحركة ولدت من ضمن صفوف الطائفة الشيعية هذه. مذهبها انفتاح وعدم كونها فئوية، فطبيعة المذهب تكمن في هذا الامر.
والوضع الاجتماعي للشيعة ذكرناه، وكذلك الوضع الاجتماعي للبنان ولم يبق سوى دور القيادة. دور القيادة، طبعا، اذا لم يكن الدور الاول ـ وهو ليس كذلك حتما ـ ولكنه دور اساسي. اي لو كانت هذه الظروف كلها متوفرة، ولكن كان هناك أناس آخرون لا يفهمون التشيع كحركة كان من الممكن ان يأخذوا الطائفة الشيعية الى جانب النظام، الى جانب التحالف مع أصحاب الإمتيازات فيعتبرونها اقلية حليفة للاقلية الاخرى ولكان الخط غير هذا الخط. او مثل بعض القاصرين الذين كانوا يعتبرون ان الاسلام ليس له نظام اقتصادي واجتماعي، وان التشيع كذلك ليس عنده شيء من هذا النوع، لكان برز الخطر في ارتماء الحركة في احضان الشيوعية واليسار المتطرف.
إذا"، نحن في موقع التحدي، وهنا، دور القيادة دور اساسي. فاذا لم اتمكن ان اكتب شخصيا حلقة القيادة لأن الأمر يعود لي شخصيا في الغالب وهذا محرج لي فعلا، كما ان التقييم قد يكون غير موضوعي لأن الأمر بين أن يتواضع الانسان أو أن يزكي نفسه أكثر من الواقع.
اليوم أنا متعب، وإن شاء الله، في بداية الجمعة القادمة، نأخذ خلاصة من هذه الأبحاث ونطرح التسلسل المنطقي والطبيعي لأن حركة المحرومين تنشأ من قلب الطائفة الشيعية ومن مستوى القيادة مع الناس، وهذا الشيء طبيعي جدا ومنطقي جدا ومقتضى قلب التاريخ أيضا". وبطبيعة الحال، عند ذلك نقدر أن ننظر إلى المستقبل بشكل آخر وبرؤية أخرى.


القسم الرابع: دور القيادة في بعث هذه الحركة


اولاً ـ الامام والامامة:
في تحليل لغوي عند العلامة العلايلي في كتاب " المرجع " واستنادا الى دراسة له طويلة، يفسر " الامام " بميزان خشبي كان يستعمله البناؤون لمعرفة استقامة البناء او انحرافه، والذي تحول فيما بعد الى ميزان " الزيبق "، هو المعنى الاصيل.
وفي مصطلحنا المعاصر يطلق " الامام " على علماء الدين القادة في التفكير والقول والسلوك، مع ما يشوب الالقاب في مجتمعاتنا من المجاملات والمبالغات والتمنيات.
ولكن الغاية من هذا البحث تفرض ان نفسر كلمة الامام بمعنى المصطلح المذهبي عند الشيعة ـ الشيعة الامامية. انه انسان لا اله ولا نصف اله، بلغ الكمال الذي يريده الاسلام، الانسان الفائق وليس ما فوق الانسان، انسان بلغ الكمال وبنفس الوقت القائد المسؤول لتوجيه الامة. وفي المتون الشيعية: الامام حجة الله على الارض، كتاب الله الناطق، المرآة التامة للاسلام، الاسلام المتجسد، الانسان الذي تحول في أحاسيسه وفي تفكيره وفي احكامه وفي اقواله وفي اعماله وحتى في سكوته، الانسان الذي تحول الى مستوى الميزان. كما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " انا ميزان الاعمال وعلي لسانه ". وبكلمة، انه الانسان الفائق القمة وليس ما فوق الانسان. انه وصي وليس نبيا.

ثانياً - عاشوراء:
عاشوراء تاريخيا هي يوم مقتل الحسين (ع) في كربلاء والمقصود في هذه الدراسة او في محاضرتي، على الاقل المقصود من عاشوراء هو محتوى ذلك اليوم من احداث مرتبطة باسباب وبنتائج والذكريات الاحتفالية التي بدأت منذ الايام الاولى بعد المأساة واستمرت ونمت وتطورت حتى يومنا هذا.
إذاً نحن في هذه الدراسة، امام عاملين قائمين حيين فاعلين ولسنا امام حدثين تاريخيين. فالامام كما عرفناه تجسيد للرسالة، فهو باق في مركز القدوة وفي مركز القيادة، حيا كان الامام او ميتا، قوله وسلوكه وسكوته ورضاه سند نستند عليه في كتبنا الفقهية كجزء من المذهب. فالامام حكم متجسد وايمان متجسد، انتصر في المعركة او هزم او عزل لا فرق، عامل فاعل مستمر حتى الآن. وعاشوراء ايضا شهادة، والشهادة في منطق القرآن خلود وتحرك وقيادة، أعيد الى ذاكرتكم الآية الكريمة: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتاً " ـ أرجو الانتباه الى هذه النقطة ـ " بل أحياء عند ربهم يرزقون " [ آل عمران /169 ] ـ النمو المستمر ـ " فرحين بما اتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم" [آل عمران 170 ] ـ القيادة الدعوة.
إذاً نحن امام عاملين قائمين لا امام حدثين تاريخيين فنصل الى تفاعل العاملين الموجودين في عنوان هذا الحديث لكي يفرز هذا التفاعل لنا عناوين ثلاثة: الاول شهادة الامام، والثاني امامة الشهيد والثالث الشهادة الامام.
الاول: شهادة الامام فهي الترابط العميق بين الامام وبين الشهادة، حتى ان الشهادة جزء اساس من مسؤولية الامام القيادية.
الثاني: امامة الشهيد، فالشهيد في سبيل الله امام. ومعنى ذلك ان الشهادة بحد ذاتها قدوة وقيادة وهما في درجتيهما العاليتين اساسان لمفهوم الامامة. والشهيد العادي يتمتع بصفتين اساسيتين من صفات الامام فهو في موكب الامام.

الثالث: الشهادة الامام، واعني بها ان مستوى شهادة الامام الحسين في عاشوراء اذا درسناها بأسبابها ودوافعها النفسية وتفاصيلها ونتائجها تفوق الشهادات كلها، ولذلك نسمي الحسين " سيد الشهداء " او على حد تعبير العقاد " ابو الشهداء ". والحديث يقول: " لا يوم كيومك يا ابا عبد الله " كلمة وردت في كثير من الاثار الدينية الشيعية. اذاً، الشهادة الحسينية يوم عاشوراء هي امام الشهادات، الشهادة الامام.
ان المطلوب مني في هذه الدراسة هو العنوان الاول فحسب، يعني شهادة الامام. وأعتقد أن زملائي الأحد عشر سيؤدون دوراً موضحاً للتحدث عن الثالث: الشهادة الامام لأنهم ألقوا أضواءهم جميعاً على عاشوراء.
اما العنوان الثاني وهو امامة الشهيد، فانه بحث اجتماعي وديني مستقل تطرق اليه الكثيرون من الباحثين بالتفصيل وقد نكتفي في ذلك بالآية التي تليت حول دور الشهيد في الدعوة وفي الاثارة وفي الخلود وفي التحول الى القيم. فلندخل في صميم بحثنا ـ شهادة الامام.

ثالثاً ـ شهادة الامام:

1 ـ المبادىء الاساسية:
وهنا نحتاج الى ان نتحدث عن مفهوم الامام وضرورته عند الشيعة وابعاد معنى الامام لدى المذهب.
ولاجل ان ندرك تسلسل الفكرة ونصل الى صورة واضحة عن الامام، الينا هذه المبادىء:
اولاً: الحياة في مفهومها الديني حركة دائمة نحو الكمال والقرآن الكريم يلخص هذا بقوله:
" انا لله وانا اليه راجعون " ] البقرة 156 [. أي نحن في رجوع مستمر الى الله، اي الكمال المطلق. وهذا المفهوم نجده في كثير من التعاليم الدينية التي تأمر بالحركة الدائمة والسعي الدائم حتى الرمق الاخير.

ثانياً: الحركة تغيير مستمر واتجاهها نحو الكمال اللانهائي الذي هو الله يستدعي سيرها نحو الافضل، اذ الحياة في مفهومها الديني سير دائم وتغيير مستمر نحو الافضل، وبالتالي رفض الوقوف والجمود والتراجع.

ثالثاً: والتحول الواجب نحو الافضل ـ بما في ذلك التجارب والانتكاسات طبعا ـ هادىء احيانا وعنيف احيانا اخرى حسب ظروف الحركة.
رابعاً: وجود الخير والشر في الاحساس ووجود الخير والشر في الحياة، يخلقان الصراع الدائم في نفس الانسان قبل الصراع في الخارج وبالتالي فإن هذا الصراع هو الدافع المتجدد نحو الكمال.
الانسان متحركا نحو الكمال، دافعه وجود عنصر الخير والشر في نفسه وفي الخارج والا فلو لم يكن الانسان يدرك الشر او لو لم يكن الشر في الخارج لم يكن الاختيار اي الصراع او الرياضة الدائمة، وبالتالي، الكمال الدائم. وهذا مفهوم قرآني، ففي سورة الشمس يقول: " فألهمها " ـ يعني الله ألهم النفس ـ " فجورها وتقواها " [ الشمس 8 ] ـ يعني ان الله الهم الانسان وخلقه بحيث يحس بالشر كما يحس بالخير ـ " قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها " [ الشمس 9ـ10 ]ـ الفلاح أي الكمال يحصل بعد الصراع ـ وآية اخرى "وهديناه النجدين " ] البلد 10 [. الخالق علم الانسان طريقه الى الخير والشر، وتضيف الآية: " فلا اقتحم العقبة " ] البلد 11 [. الانسان المقصر ما اقتحم وما عبر المشكلة. " وما ادراك ما العقبة، فك رقبة" ] البلد 12ـ13 [ تحرير انسان فردا كان في يوم من الايام او جماعة في يومنا هذا. " او اطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة او مسكينا ذا متربة " ]البلد 14ـ16[. الاطعام يعني خلق العيش للانسان فرديا كان حسب طاقات الانسان او جماعيا. فدافع الانسان نحو الكمال وجود عنصر الخير والشر، صر اع الخير والشر المستمر في الذات، الصراع في النفس والصراع في الخارج.

خامساً: اما الدعوة الالهية فلها مراحل ودرجات: المرحلة الاولى الضمير، او على حد تعبير القرآن الفطرة ـ فطرة الله التي فطر الناس عليها. ان الضمير هو المرحلة الاولى للدعوة الالهية نحو الكمال، والضمير هو النبي الباطن. المرحلة الثانية هي النبي، النبي يأتي من الله. والنبي ضمير الكون والوجود، يساعد الانسان في صراعه هذا ويخرجه، اذا اراد، من الظلمات الى النور. هذه خلاصة دعوة الانبياء جميعا: " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور " ] المائدة 15ـ16 ]. أي من ظلمات الجهل الى نور العلم ومن ظلمات الفقر الى نور الرفاه، وهكذا.. انهم الانبياء بعثوا من الاميين، من عامة الناس، ليزكوهم ويعلموهم الكتاب والحكمة كما ورد هذا في القرآن بالنسبة للنبي محمد. فالمرحلة الاولى من الدعوة هي الضمير والثانية دعوة الانبياء.
اما المرحلة الثالثة للدعوة فلعلها لا تخلو من غرابة ولكنها مليئة بالتفاؤل والتربية وخلق القوة من الضعف وهي المصيبة.
والقرآن الكريم له منطق خاص في هذا المجال لانه يجعل المصيبة دافعا مساعدا لانتباه الانسان ووعيه وحركته. كما ان التفاعلات الاجتماعية وظهورالفساد في البر والبحر، حسب تعبير القرآن، عامل آخر لتنبيه الانسان الى اخطائه في توجهه. يقول القرآن: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون " ] الروم 41[ نلاحظ إذاً ان هناك آثارا اجتماعية سيئة نتيجة لعمل الانسان جاءت لكي تنبه الانسان، فهي نوع من الدعوة الجديدة والتذكير. هذا بالنسبة للاحداث الاجتماعية ويسري نفس المنطق بالنسبة للمصائب " ولنبلولنكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا اليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة " [ البقرة 155ـ157 ]. حتى المصيبة في الرؤية القرآنية مرحلة من الدعوة.

سادساً: ثم ان الدعوة الشاملة لجميع البشر: " ولكل قوم هاد " ] الرعد7[. والقرآن يؤكد خلال آيات متعددة وجود الدعوة بواسطة الانبياء لجميع شعوب الارض وبالتالي يثبت ان دعوة الله للانسان عامة بواسطة الانبياء ومستمرة بواسطة الهادين " الائمة " والاوصياء.
هذا الاستمرار والشمول في الدعوة الالهية هو عناية من الله لانقاذ الانسان من سيطرة الاهواء وعناصر الشر في داخله وفي الخارج، والتي تظهر خلال دعوة الانبياء وبعدهم، وتتراكم حتى تصبح خطرا على الدعوة ذاتها ومن هنا يبدأ دور الامام لمنع تحول المفاهيم والاحكام الالهية عن طريق عناصر واناس يشوهون الفكرة ويحرفون الكلام عن مواضعه.
فالامام عند الشيعة له دور حفظ الدعوة والقيادة عدا انه ليس نبيا ولا يوحى اليه، ولكنه معصوم عن الخطأ والذنب. ومعنى ذلك ان الامام المعصوم طبعا لا الامام في مصطلحنا المعاصر ـ يمثل الارادة الالهية في سير الانسان نحو الكمال. ومن اجل ذلك يقول الشيعة ان تولية الامام يجب ان تكون حسب النص وليس حسبالانتخاب والاختيار. فالامام يمثل الارادة الالهية اي مساعدة الانسان في صعوده نحو الكمال وهو يصطدم بعراقيل وعقبات. والصدام خفيف تارة وعنيف اخرى وطالما ان الامام يمثل هذه الارادة يتضح معنى الحديث " اكثر الناس بلاء الانبياء ثم الاوصياء " باعتبار مسؤوليتهم عن دعوتهم المستمرة. ونعرف معنى الحديث " من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة الجاهلية " لمواجهة خطر الانحراف وسيطرة الشر.
هذه الاستمرارية في القيادة ومساعدة الناس على صراعهم الداخلي والخارجي ودفعهم نحو الكمال تعبير صادق عن سنة الله في الخلق " ولن تجد لسنة الله تبديـلا " [الاحزاب / 62[. فالتغير والتطور والتكامل هنا يلتقي مع الثبات والاطلاق ويصبح امرا لا يتغير في الاساس، متغيرا في المضمون . فالسنة الازلية المطلقة تتطلب التغير الدائم، هنا يلتقي التغيير والثبات.

1 ـ العلاقة بين الشهادة والامامة:
ان النبي، كل نبي، ومن بعده الامام الوصي، ومع الامام ممثلوه كما ورد في الحديث " من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه عاصيا لهواه مطيعا لامر مولاه " ـ اصحاب هذه الصفات، الامام يعبر عنهم فيقول ـ: " فانه حجتي عليكم وانا حجة الله عليكم ". وهؤلاء القادة: النبي، الامام وممثل الامام، مسؤولون امام الله عن سلوك الناس واستمرار تحركهم نحو الكمال مهما كان الثمن، وكيفما كانت الظروف حتى لو استلزم ذلك التضحيات، اي " الشهادة ". فالامام مسؤول عن تقديم الشهادة وان يتقدم لاجل الشهادة عند الاقتضاء حتى يصون سير الانسان نحو الكمال الذي يصطدم بعراقيل وعقبات خفيفة احيانا وعنيفة اخرى.
ومن هنا فان مفكري الشيعة ـ او على الاقل بعض مفكري الشيعة ـ يميلون الى رفض تصنيف التشيع مذهبا في الاصل منفصلا عن المذاهب الاخرى. المفكرون يرفضون ذلك بل انهم يقولون ان التشيع بمعنى المسؤولية هو ايدولوجية القادة وسلوكهم القيادي المعتمد على الاجتهاد والجهاد وهو الدرس الصحيح للمرحلة

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3159


خدمات المحتوى


الإدارة
الإدارة

تقييم
5.92/10 (46 صوت)


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

موقع ومنتديات حركة أمل - أفواج المقاومة اللبنانية  Amal Movement
Tweets von @Afwajamal